بين استئناف الهدم ووعود السكن.. بطء تسليم الشقق يفاقم معاناة آلاف الأسر بالبيضاء
في ظل تسارع التحولات العمرانية التي تشهدها مدينة الدار البيضاء، يعود ملف إعادة الإيواء والقضاء على السكن غير اللائق إلى واجهة النقاش العمومي، مثقلا بتعقيدات ميدانية وانتظارات اجتماعية متزايدة، حيث تجد آلاف الأسر نفسها بين وعود رسمية بتوفير سكن لائق وواقع يومي يطبعه التأجيل والغموض.
وفي هذا السياق، أفادت معطيات متطابقة حصلت عليها "الجريدة 24" بأن السلطات المختصة قررت استئناف عمليات هدم أجزاء واسعة من المدينة القديمة للدار البيضاء، بعد توقف دام شهرين، وذلك في إطار تهيئة المجال لإطلاق مشروع “المحج الملكي” الذي يُرتقب أن يشكل تحولا عمرانيا بارزا في قلب العاصمة الاقتصادية.
وتستعد الجرافات للعودة إلى مواقع الهدم خلال الأيام القليلة المقبلة، حيث يُنتظر أن تشمل المرحلة الحالية ترحيل ما يفوق 6000 أسرة نحو شقق سكنية بمنطقة النسيم، على أن يتم تسليم المفاتيح فور استكمال الأشغال من طرف الشركات المكلفة.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن المنازل الواقعة خارج السور التاريخي للمدينة القديمة ستُهدم في ظرف لا يتجاوز شهرين، تمهيدا لانطلاق أوراش التهيئة المرتبطة بالمشروع، وهو ما يضع الساكنة أمام مرحلة جديدة من التغيير القسري الذي يثير في الآن ذاته آمالا بتحسين ظروف العيش ومخاوف من تكرار سيناريوهات التأخير.
وفي مقابل هذه الدينامية الرسمية، يطفو إلى السطح مجددا ملف تعثر مشاريع إعادة الإيواء المرتبطة ببرامج القضاء على دور الصفيح، حيث لا تزال آلاف الأسر تعيش وضعية انتظار مفتوح رغم مرور سنوات على هدم مساكنها الأصلية.
وتشير المعطيات التي توفرت لـ"الجريدة 24" إلى أن جزءا من قاطني “كاريان سنطرال” لم يتمكنوا إلى حدود اليوم من تسوية وضعيتهم بشكل نهائي، رغم أن عمليات الهدم انتهت منذ ما يقارب عشر سنوات، ما يعكس فجوة واضحة بين التخطيط والتنفيذ.
ومنذ سنة 2016، دخلت هذه الفئات مرحلة معقدة من المعاناة الاجتماعية، حيث اضطرت إلى اللجوء إلى حلول سكنية مؤقتة، غالبا ما تكون مكلفة وغير مستقرة، الأمر الذي أدى إلى استنزاف القدرة الشرائية لعدد كبير من الأسر.
هذا الوضع انعكس بشكل مباشر على الاستقرار النفسي والاجتماعي، في ظل غياب رؤية زمنية واضحة تحدد مواعيد الاستفادة الفعلية من الشقق الموعودة، ما عمّق الإحساس بعدم الإنصاف لدى المتضررين.
وفي محاولة لإعادة تحريك هذا الملف، كشفت مصادر الجريدة 24 عن دخول الجهات المنتخبة على خط الأزمة من خلال عقد لقاءات تواصلية مع ممثلين عن الساكنة، حيث تم التأكيد على تبني مقاربة جديدة تراعي البعد الإنساني والاجتماعي، وتهدف إلى تقريب وجهات النظر وإيجاد حلول عملية لورش ظل عالقا لسنوات.
غير أن هذه المساعي تصطدم بتباين في التصورات، إذ يتمسك جزء من المستفيدين بحقهم في الحصول على بقع أرضية، في حين تؤكد الجهات المتدخلة أن الشقق السكنية تظل الخيار المعتمد ضمن السياسات الحالية.
ويعكس هذا الخلاف تعقيد الملف، حيث تتداخل الاعتبارات الاجتماعية مع الإكراهات العقارية والتنظيمية، خاصة في ظل محدودية الوعاء العقاري داخل المجال الحضري للدار البيضاء. ويزيد من حدة الإشكال تعثر عدد من المشاريع السكنية التي تشرف عليها شركات عقارية، إذ تشير المعطيات إلى عدم احترام بعض هذه الشركات للآجال المحددة في دفاتر التحملات، ما أدى إلى تأخير تسليم الوحدات السكنية وتعطيل عملية توزيعها على المستفيدين.
كما سجلت المصادر ذاتها وجود نقائص في بعض الأوراش، سواء على مستوى التجهيزات الأساسية أو استكمال الأشغال، وهو ما يطرح تساؤلات حول نجاعة آليات المراقبة المعتمدة لضمان جودة المشاريع واحترام الآجال.
بالموازاة مع ذلك، يتجدد النقاش حول مستقبل تجمعات صفيحية كبرى، من بينها “كاريان الرحامنة” بمنطقة سيدي مومن، الذي يُعد من أبرز بؤر السكن غير اللائق. ووفق معطيات الجريدة 24، تعمل الجهات المسؤولة على تسريع معالجة هذا الملف ضمن برنامج شامل يستهدف توزيع عشرات الآلاف من الشقق، في إطار رؤية تروم القضاء النهائي على هذه الظاهرة، مع استبعاد خيار التعويض بالبقع الأرضية.
وفي سياق متصل، عاد ملف درب مولاي الشريف إلى صدارة النقاش العمومي، بعد تسجيل تأخر في تمكين الأسر التي تم إفراغها منذ أكثر من أربع سنوات من الشقق المخصصة لها.
وقد شهدت المنطقة مؤخرا وقفة احتجاجية أمام مقر مقاطعة الحي المحمدي، شارك فيها عشرات المواطنين الذين عبروا عن استيائهم من طول مدة الانتظار، مطالبين بالإسراع في تنفيذ الوعود وتوفير بدائل سكنية تحفظ كرامتهم.
وتفيد المعطيات المتوفرة لدى الجريدة 24 بأن أبرز العقبات التي تعيق هذا الملف تتمثل في ندرة الوعاء العقاري، وهو عامل بنيوي يعرقل تنفيذ عدد من مشاريع إعادة الإيواء داخل المدينة.
وفي ظل هذه الإكراهات، يبقى التحدي الأكبر أمام مجلس جماعة الدار البيضاء هو تحقيق التوازن بين متطلبات التهيئة الحضرية وضمان الحقوق الاجتماعية للسكان، في أفق طي ملف السكن غير اللائق بشكل نهائي، دون ترك فئات واسعة رهينة الانتظار المفتوح.