هل فقدت الدار البيضاء السيطرة على أزمة بيئية مزمنة في الحي المحمدي؟

الكاتب : انس شريد

24 مارس 2026 - 07:30
الخط :

في قلب العاصمة الاقتصادية، وعلى بعد خطوات من أحد أعرق أحياء الذاكرة الجماعية للدار البيضاء، تتواصل فصول أزمة بيئية مزمنة لم تجد طريقها إلى الحل رغم مرور سنوات من الوعود والانتظارات.

وما تزال ساكنة الحي المحمدي تعيش على وقع معاناة يومية بسبب استمرار نشاط سوق الدواجن وسط نسيج سكني مكتظ، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدية التدخلات ونجاعة السياسات المحلية في تدبير هذا الملف.

وتكاد تفاصيل الحياة اليومية للسكان تختزل حجم الأزمة، حيث تتحول الروائح المنبعثة من السوق إلى عنصر ثابت يرافقهم منذ ساعات الصباح الأولى، متسللة إلى البيوت ومؤثرة على جودة الهواء داخلها.

ولم يعد الأمر، بحسب شهادات متطابقة للجريدة 24، مجرد إزعاج عابر، بل تحول إلى مصدر قلق حقيقي بالنظر إلى الانعكاسات الصحية المحتملة، خاصة على الفئات الهشة من أطفال ومسنين، في ظل تزايد المخاوف من انتشار البكتيريا والحشرات المرتبطة بمخلفات الذبح وتراكم النفايات.

وفي هذا السياق، تؤكد فعاليات مدنية أن الإشكال لم يعد مرتبطاً فقط بوجود سوق داخل حي سكني، بل بتداعياته المركبة التي تشمل التلوث البيئي والفوضى التنظيمية والضغط على البنية التحتية.

ورغم أن ملف ترحيل السوق طُرح منذ سنوات داخل دورات مجلس جماعة الدار البيضاء، وجرى تقديم وعود بإيجاد حل سريع سواء عبر الإغلاق أو نقل النشاط إلى فضاء مهيأ يحترم المعايير الصحية، إلا أن هذه الالتزامات بقيت حبيسة النقاشات والتقارير التقنية.

هذا التعثر المتواصل عمّق منسوب الغضب لدى الساكنة، التي باتت ترى في التأخر غير المبرر مؤشراً على غياب إرادة حقيقية للحسم في الملف.

وتفيد معطيات حصلت عليها “الجريدة 24” من مصادرها، أن مشروع “المدينة الغذائية” الذي تراهن عليه السلطات لإعادة تنظيم عدد من أسواق الجملة، قد لا يشمل سوق الدواجن بالصيغة نفسها، بالنظر إلى خصوصية هذا النشاط وما يطرحه من تحديات صحية وبيئية معقدة.

وتشير المصادر ذاتها إلى أن هذا الملف يخضع لمقاربة مختلفة، تفرضها طبيعة التشريعات الوطنية المؤطرة لقطاع بيع الدواجن، والتي تميزه عن باقي المواد الغذائية من حيث شروط السلامة والمراقبة.

وفي موازاة ذلك، تواصل لجنة المرافق العمومية والخدمات بمجلس المدينة دراسة هذا الملف، وفق ما تؤكده المصادر نفسها، في أفق بلورة حل مستقل يقوم على تخصيص فضاء بديل خارج المدار الحضري، بما يضمن إنهاء معاناة الساكنة من جهة، والحفاظ على استمرارية النشاط التجاري في ظروف ملائمة من جهة أخرى. غير أن غياب آجال زمنية واضحة لتنفيذ هذا التوجه يثير تخوفات من استمرار حالة الانتظار المفتوح.

وقد دخل الملف أيضا قبة البرلمان، بعدما سبق أن وجه النائب البرلماني عادل البيطار سؤالا كتابيا إلى الحكومة، مستفسرا عن مآل مشروع الترحيل إلى منطقة أولاد عزوز، والإجراءات العملية المزمع اتخاذها خلال المرحلة الانتقالية، إضافة إلى الضمانات المرتبطة باحترام المعايير الصحية بعد نقل السوق. غير أن هذه المبادرة، رغم أهميتها، لم تترجم بدورها إلى خطوات ملموسة على أرض الواقع حتى الآن.

وفي ظل هذا الوضع، يتنامى شعور عام لدى سكان الحي المحمدي بأن قضيتهم لم تحظ بعد بالأولوية اللازمة، خاصة وأن الحي، الذي شكل عبر تاريخه أحد رموز الهوية الثقافية والنضالية للدار البيضاء، أصبح اليوم يعاني تحت وطأة مشهد بيئي مشوه لا ينسجم مع مكانته الرمزية.

وبين وعود متكررة وترحيل يلفه الغموض، يظل السؤال معلقا حول قدرة جماعة الدار البيضاء على تجاوز حالة الجمود التي تطبع هذا الملف، والانتقال من منطق التدبير المؤجل إلى قرارات حاسمة تستجيب لانتظارات الساكنة.

آخر الأخبار