المعارضة تفتح ملف القمح.. اختلالات تثير القلق وجدل حول فعالية الدعم
يتصاعد الجدل داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية بالمغرب بشأن وضعية سوق القمح، في أعقاب صدور رأي مجلس المنافسة الذي سلط الضوء على اختلالات بنيوية تمس عددا من الحلقات الأساسية في هذه السلسلة الحيوية، بما في ذلك أنشطة الاستيراد والتخزين والطحن.
ويأتي هذا النقاش في سياق تزايد الرهانات المرتبطة بالأمن الغذائي الوطني، خاصة في ظل التغيرات المناخية وتقلبات الأسواق الدولية، مما يضع هذا القطاع في قلب أولويات السياسات العمومية.
وفي هذا الإطار، وجه النائب البرلماني محمد هيشامي عن حزب الحركة الشعبية سؤالا كتابيا إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري، طالب فيه بتوضيحات حول تقييم الوزارة لمضامين تقرير مجلس المنافسة، والإجراءات المزمع اتخاذها لمعالجة الاختلالات المسجلة وتعزيز شروط المنافسة والشفافية داخل هذا القطاع الاستراتيجي.
وكشف رأي مجلس المنافسة عن وجود تركّز ملحوظ في أنشطة استيراد وتخزين وطحن القمح لدى عدد محدود من الفاعلين، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مدى احترام قواعد المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص داخل السوق.
كما أشار التقرير إلى اختلال التوازن بين الطاقة الإنتاجية للمطاحن وحجم الطلب الوطني، الأمر الذي قد ينعكس على فعالية المنظومة الإنتاجية وعلى كلفة المنتوج النهائي بالنسبة للمستهلك.
ويكتسي قطاع القمح أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالمواد الأساسية التي تشكل جزءا رئيسيا من الاستهلاك اليومي للأسر المغربية، ما يجعل أي اضطراب في توازنه ينعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية.
ويبرر هذا المعطى حجم الدعم العمومي الموجه لهذا القطاع، والذي يهدف بالأساس إلى ضمان استقرار التموين والحفاظ على أسعار معقولة، غير أن فعالية هذا الدعم تبقى رهينة بحسن توجيهه وضمان استفادة مختلف المتدخلين في إطار من الشفافية والمنافسة.
وتتزامن هذه التطورات مع سياق دولي يتسم بقدر كبير من عدم اليقين، في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، والتي تلقي بظلالها على الأسواق العالمية، خاصة في ما يتعلق بإمدادات الطاقة وتكاليف النقل البحري.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن أي اضطراب في مسارات الشحن أو ارتفاع في تكاليف التأمين قد يؤدي إلى زيادة كلفة استيراد الحبوب، وهو ما قد ينعكس بدوره على السوق الوطنية.
وقد سجلت أسعار النفط والغاز خلال الفترة الأخيرة ارتفاعات ملحوظة، مدفوعة بالمخاوف المرتبطة بتهديد الإمدادات عبر ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد بالنسبة للدول المستوردة للحبوب، ومن بينها المغرب الذي يعتمد بشكل كبير على الأسواق الخارجية لتأمين حاجياته من القمح.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن واردات المغرب من القمح خلال الموسم الفلاحي 2025-2026 قد تتراوح بين سبعة ملايين وسبعة ملايين ونصف المليون طن، وهو رقم يعكس استمرار هذا الاعتماد، رغم الجهود المبذولة لتطوير الإنتاج الوطني.
كما تفيد بيانات التجارة الدولية بأن المملكة استوردت خلال الفترة الممتدة من يونيو 2025 إلى يناير 2026 نحو سبعة ملايين طن من الحبوب، من بينها أكثر من ثلاثة ملايين طن من القمح اللين، الذي يعد المادة الأساسية في صناعة الدقيق والخبز.
وفي خضم هذا النقاش، سبق أن دعت المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية إلى عقد اجتماع للجنة القطاعات الإنتاجية بحضور المسؤولين المعنيين، من بينهم وزير الفلاحة ومدير المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني، وذلك لمناقشة وضعية القطاع والبحث عن حلول عملية لمعالجة الاختلالات المطروحة.
وفي طلب رسمي وجهه رئيس المجموعة النيابية عبد الله بووانو، تم التأكيد على ضرورة تعزيز المنافسة داخل السوق وضمان شفافية أكبر في تدبير سلاسل الإنتاج والتوزيع، إلى جانب تحسين آليات توجيه الدعم العمومي بما يحقق النجاعة الاقتصادية ويحمي القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل التحديات الراهنة.
وتعكس هذه التطورات الحاجة الملحة إلى إصلاحات هيكلية عميقة داخل قطاع القمح، توازن بين متطلبات السوق وضرورات الأمن الغذائي، في أفق بناء منظومة أكثر تنافسية ومرونة، قادرة على التكيف مع التحولات الدولية وضمان استقرار التموين في السوق الوطنية على المدى الطويل.