اقتراب نهاية الولاية يعيد الجدل حول حصيلة التزام الحكومة بالنموذج التنموي الجديد
مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، يعود النقاش حول حصيلة تنزيل النموذج التنموي الجديد إلى واجهة الاهتمام العمومي، في ظل تزايد التساؤلات بشأن مدى التزام القطاعات الوزارية بروح هذا الورش الاستراتيجي الذي أطلقه المغرب كخارطة طريق لإعادة توجيه مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ويأتي هذا الجدل في سياق سياسي يتسم بارتفاع منسوب الترقب قبل الاستحقاقات المقبلة، حيث تُطرح بقوة مسألة تقييم السياسات العمومية ومدى انسجامها مع الرؤية التي بلورها اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، والتي حددت أولويات واضحة ترتكز على العدالة الاجتماعية وتعزيز الرأسمال البشري وبناء اقتصاد منتج ومبتكر.
في هذا السياق، صعّدت المعارضة البرلمانية من وتيرة مساءلتها لأعضاء الحكومة التي يقودها عزيز أخنوش، من خلال توجيه سلسلة من الأسئلة الكتابية التي استهدفت قطاعات حيوية، في محاولة لاستجلاء مدى تقدم تنفيذ توصيات النموذج التنموي الجديد على أرض الواقع.
وقد تصدر هذا التحرك نواب من حزب الحركة الشعبية، عبر كلا من نبيل الدخش وإدريس السنتيسي، بعد تركيزهما على قضايا استراتيجية تمس التعليم والبحث العلمي والاستثمار والصحة والرقمنة، باعتبارها ركائز أساسية لأي تحول تنموي مستدام.
وفي قطاع التربية والتكوين، أثيرت تساؤلات حول مدى إدماج مضامين النموذج التنموي الجديد في إصلاح منظومة التعليم، خاصة ما يتعلق بتحسين جودة التعلمات والحد من ظاهرة الهدر المدرسي، التي لا تزال تمثل أحد أبرز التحديات البنيوية.
ويُنظر إلى هذا الملف باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة السياسات العمومية على إحداث تحول ملموس في مؤشرات الأداء التربوي، بما ينعكس إيجاباً على ترتيب المغرب في التصنيفات الدولية المرتبطة بجودة التعليم.
أما على مستوى التعليم العالي، فقد امتد النقاش إلى قضية البحث العلمي والابتكار، حيث طُرحت تساؤلات بشأن مدى ارتباط البرامج الحكومية بحاجيات الاقتصاد الوطني، في ظل الدعوة التي أطلقها النموذج التنموي الجديد إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة.
ويُنتظر أن يشكل تعزيز الشراكات بين الجامعات والقطاعين العام والخاص أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق هذا الهدف، إلى جانب تحسين التمويل وتثمين نتائج البحث العلمي.
وفي ما يتعلق بالاستثمار، عاد الجدل ليركز على مدى انسجام الميثاق الجديد مع التوجهات الاستراتيجية للنموذج التنموي، خصوصاً في ما يرتبط بتحفيز الاستثمار المنتج وتقليص الفوارق المجالية.
وتبرز هنا إشكالية تحقيق التوازن بين جذب الاستثمارات الكبرى وتوجيهها نحو المناطق الأقل جاذبية، بما يضمن توزيعاً أكثر عدلاً للثروة وفرص الشغل.
كما شمل النقاش قضايا التعمير وإعداد التراب، حيث جرى التأكيد على أهمية تأهيل المدن المتوسطة والصغرى لتكون أقطاباً للتنمية، وفق ما أوصى به التقرير.
ويُنظر إلى هذا التوجه كخيار استراتيجي لتخفيف الضغط عن المدن الكبرى وتحقيق تنمية مجالية متوازنة، غير أن تنزيله يظل رهيناً بمدى توفر برامج عملية قادرة على تحقيق هذا التحول.
وفي الجانب المالي، برزت تساؤلات حول مدى إدماج توصيات النموذج التنموي في إعداد قوانين المالية، خاصة في ما يتعلق بتوجيه الإنفاق العمومي نحو دعم الاستثمار المنتج وتعزيز العدالة الاجتماعية.
ويكتسي هذا البعد أهمية خاصة بالنظر إلى أن النموذج التنموي لا يرتبط بزمن حكومي محدد، بل يُفترض أن يشكل مرجعية دائمة لتوجيه السياسات العمومية، ما يطرح تحدي ضمان استمرارية الإصلاحات بغض النظر عن التغيرات السياسية.
كما لم تغب قضية تتبع تنفيذ التوصيات عن دائرة النقاش، حيث تم التساؤل عن الآليات المؤسساتية المعتمدة لضمان التنزيل الفعلي لمضامين النموذج التنموي الجديد، في ظل الحاجة إلى نظام حكامة قادر على التنسيق بين مختلف القطاعات وضمان الالتقائية في السياسات العمومية.
ويُعد هذا الجانب محورياً لتفادي تشتت الجهود وضمان تحقيق الأثر المنشود على المدى المتوسط والبعيد.
وفي القطاع الفلاحي، برزت إشكالية تحقيق السيادة الغذائية كأحد الرهانات الكبرى، خاصة في ظل التحولات الدولية المرتبطة بسلاسل الإمداد والتغيرات المناخية.
وقد أعادت الأسئلة البرلمانية طرح موضوع الأمن الغذائي من زاوية جديدة، تربط بين تعزيز الإنتاج المحلي وضمان استدامته، وبين التوازن في علاقات التصدير والاستيراد.
أما في المجال الصحي، فقد تم التركيز على مدى تقدم إصلاح المنظومة الصحية بما ينسجم مع أهداف النموذج التنموي، خصوصاً في ما يتعلق بتحسين جودة الخدمات وضمان العدالة في الولوج إليها.
ويُنظر إلى هذا الورش كأحد أبرز التحديات الاجتماعية التي تتطلب استثمارات كبيرة وإصلاحات هيكلية عميقة.
وفي سياق متصل، يبرز التحول الرقمي كأحد المحاور الاستراتيجية التي يعول عليها لتحديث الإدارة وتعزيز نجاعة الاقتصاد، حيث طُرحت تساؤلات حول مدى تقدم البرامج الحكومية في هذا المجال، والخطط المستقبلية لتحقيق قفزة نوعية في رقمنة الخدمات العمومية.
في المحصلة، يعكس هذا الحراك البرلماني عودة قوية لملف النموذج التنموي الجديد إلى صلب النقاش السياسي، في لحظة دقيقة تتقاطع فيها رهانات التقييم مع أفق الاستحقاقات المقبلة.
وبين تأكيد الحكومة على مواصلة الإصلاحات، وإصرار المعارضة على مساءلة الحصيلة، يظل السؤال الجوهري مطروحا حول مدى قدرة السياسات العمومية على ترجمة الطموحات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة تستجيب لتطلعات المواطنين وتؤسس لمسار تنموي أكثر توازناً واستدامة.