بين الدعم والاستيراد.. هل خرج سوق اللحوم عن السيطرة؟
مع اقتراب موعد عيد الأضحى، الذي لم يعد يفصل عنه سوى أسابيع معدودة، تتصاعد في المغرب مؤشرات القلق المرتبطة بارتفاع أسعار اللحوم الحمراء واستمرار حالة التذبذب داخل السوق الوطنية، في سياق اقتصادي يتسم بتراجع القدرة الشرائية وازدياد الضغط على ميزانيات الأسر.
ويجد المستهلك المغربي نفسه أمام معادلة معقدة تجمع بين ارتفاع الطلب الموسمي وتنامي كلفة الإنتاج، مقابل تساؤلات متزايدة حول مدى فعالية التدابير الحكومية المتخذة لضبط الأسعار وحماية التوازن الاجتماعي.
خلال الأسابيع الأخيرة، سجلت أسعار اللحوم الحمراء تقلبات لافتة، حيث تفاوتت الأثمنة بين لحوم الأبقار والأغنام والماعز، في مشهد يعكس هشاشة التوازن بين العرض والطلب، ويغذي مخاوف المستهلكين من موجة غلاء جديدة مع اقتراب فترة الذروة.
ووفق معطيات متداولة في الأوساط المهنية، توصلت بها "الجريدة 24"، فإن أسعار لحوم الأغنام في أسواق الجملة بلغت مستويات مرتفعة وصلت إلى حوالي 135 درهما للكيلوغرام، في حين تتجاوز في البيع بالتقسيط عتبة 150 و160 درهما، وهو ما يمثل قفزة كبيرة مقارنة مع مستويات سابقة كانت تراوح بين 90 و100 درهم في ظروف أقل ضغطا على السوق.
هذا الارتفاع اللافت يطرح علامات استفهام بشأن فعالية الإجراءات الحكومية، خاصة في ظل اعتماد سياسة الإعفاءات الجمركية والضريبية على واردات اللحوم، والتي كان من المفترض أن تنعكس بشكل مباشر على أسعار البيع للمستهلك النهائي.
غير أن الواقع يكشف عن مفارقة واضحة، حيث لم تؤد هذه الامتيازات إلى تخفيف ملموس في الأسعار، بل على العكس، استمرت في الارتفاع، ما يثير شكوكا حول وجود اختلالات بنيوية في سلاسل التوزيع وهوامش الربح.
وفي محاولة لاحتواء هذا الوضع، تتجه المملكة في الأيام القليلة القادمة إلى تعزيز العرض عبر استيراد أعداد إضافية من الأغنام والأبقار من الأسواق الأوروبية وأمريكا اللاتينية، حيث استقبلت الموانئ المغربية شحنات جديدة، من بينها سلالات معروفة بجودتها، في خطوة تهدف إلى تخفيف الضغط على القطيع الوطني وتحقيق نوع من التوازن داخل السوق.
كما تشير المعطيات المتوفرة للجريدة 24 إلى برمجة استيراد عشرات الآلاف من رؤوس الأبقار خلال الفترة المقبلة، في إطار خطة استعجالية تروم مواجهة الطلب المتزايد.
غير أن هذا الخيار، رغم طابعه العملي، لم يسلم من الانتقادات، إذ تعتبر الفعاليات النقابية أن اللجوء إلى الاستيراد لا يمكن أن يشكل حلا مستداما، خاصة إذا لم يواكبه إصلاح عميق لمنظومة التوزيع وتعزيز آليات المراقبة.
كما يثير تخصيص دعم مالي للمربين المحليين، بالتوازي مع استيراد اللحوم، تساؤلات حول نجاعة توجيه الموارد العمومية ومدى تحقيقها للأهداف المرجوة.
في هذا السياق، عبرت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومكافحة الفساد عن قلقها من ما وصفته باختلالات حادة في سوق اللحوم، مشيرة إلى وجود فارق كبير بين أسعار الاستيراد التي تتراوح بين 35 و40 درهما للكيلوغرام، والأسعار النهائية المعروضة للمستهلك، والتي قد تصل إلى أكثر من 130 درهما.
واعتبرت في بلاغ لها أن تعدد الوسطاء وغياب الشفافية ساهما في تضخم غير مبرر لهوامش الربح، ما أدى إلى إفراغ الدعم العمومي من محتواه الاجتماعي.
كما حذرت من ممارسات تمس بحقوق المستهلك، من بينها خلط اللحوم المستوردة بالمحلية دون توضيح مصدرها، وهو ما يفاقم أزمة الثقة داخل السوق، ويضعف آليات المنافسة الشريفة.
ودعت إلى فتح تحقيق شامل لتحديد المسؤوليات، وربط أي دعم مستقبلي بشروط واضحة تضمن تحديد سقف للأسعار، بما يسمح بوصول أثر الدعم إلى الفئات المستهدفة.
على المستوى السياسي، دخل مجلس النواب على خط هذا الجدل، حيث طالبت مكونات من المعارضة الحكومة بتقديم توضيحات بشأن استمرار ارتفاع الأسعار رغم الدعم الموجه للقطاع.
ووجه الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية بمجلس النواب سؤالاً شفوياً إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، مطالباً بتوضيحات حول أسباب استمرار هذا الارتفاع، في وقت كان يُفترض أن يساهم الدعم العمومي في تحقيق توازن السوق وتخفيف الضغط على المستهلكين.
وسجل الفريق أن الأسعار الحالية لا تعكس الأثر المنتظر من الدعم الموجه للكسابة، مشيراً إلى أن اللحوم الحمراء تحولت إلى مادة تثقل كاهل الأسر، بل أصبحت في كثير من الحالات خارج متناول فئات واسعة من المواطنين، في ظل ظرفية اقتصادية واجتماعية دقيقة تتسم بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات البطالة.
وأوضحت النائبة البرلمانية عويشة زلفى، باسم الفريق، أن استمرار هذا الوضع يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى فعالية السياسات المعتمدة، مبرزة أن الإشكال قد يرتبط باختلالات في سلاسل الإنتاج والتوزيع، أو بضعف آليات المراقبة وتتبع الدعم، بما يؤدي إلى عدم وصول أثره إلى المستهلك النهائي.
كما أثار الفريق مسألة توجيه الدعم، متسائلاً عن عدد المستفيدين الحقيقيين ومدى تأثير هذه التدابير على القطيع الوطني، خاصة في ظل استمرار تقلبات العرض وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما قد يفسر جزئياً استمرار ارتفاع الأسعار.
وطالب الفريق الحكومة بتقديم تقييم محين لنتائج الدعم العمومي، والكشف عن الإجراءات العملية المزمع اتخاذها لضمان توجيهه بشكل أكثر نجاعة، وربطه بشكل مباشر بتحقيق استقرار الأسعار داخل السوق الوطنية.
وتتجه الأنظار اليوم إلى مدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين دعم المنتجين وضمان حماية المستهلك، خاصة مع اقتراب مناسبة دينية واجتماعية ذات حساسية خاصة.