جولة مفصلية للحوار الاجتماعي.. النقابات تعيد ترتيب أجندتها والحكومة تتمسك بموعدها
تتجه الأنظار في المغرب إلى جولة جديدة من الحوار الاجتماعي المرتقب بين الحكومة والمركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، إلى جانب الاتحاد العام لمقاولات المغرب، في سياق يتسم بارتفاع منسوب الترقب وتزايد مؤشرات الاحتقان الاجتماعي.
وتكتسي هذه الجولة، المرتقبة خلال شهر أبريل، أهمية خاصة باعتبارها آخر محطة ضمن الولاية الانتدابية الحالية، ما يمنحها بعداً حاسماً يتجاوز الطابع الدوري للاجتماعات السابقة.
ولا تُنظر إلى هذه الجولة كمجرد لقاء تقني لتبادل وجهات النظر، بل باعتبارها اختباراً فعلياً لقدرة مختلف الأطراف على إنتاج حلول ملموسة لملفات اجتماعية عالقة ظلت تؤرق فئات واسعة من الأجراء.
ويأتي في صدارة هذه الملفات مطلب تحسين الأجور، وتسوية أوضاع عدد من الفئات المهنية التي تعاني الهشاشة، إلى جانب مراجعة بعض المقتضيات القانونية التي يرى فيها الفاعلون الاجتماعيون عائقاً أمام تحقيق الاستقرار المهني وضمان شروط العمل اللائق.
ويُعقد هذا الموعد في ظرفية اقتصادية واجتماعية دقيقة، تتسم باستمرار موجة الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر المغربية.
وقد زادت الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات من حدة هذا الوضع، حيث سجلت ارتفاعات ملحوظة خلال الأسابيع الماضية، الأمر الذي فاقم الضغط على ميزانيات الأسر، ورفع منسوب التذمر داخل الأوساط الاجتماعية.
وفي هذا السياق، تصر المركزيات النقابية على جعل الزيادة العامة في الأجور على رأس أولوياتها خلال جولة أبريل، معتبرة أن المرحلة الراهنة تستدعي قرارات جريئة تستجيب لمتطلبات الواقع المعيشي، وتواكب الارتفاع المتواصل في أسعار المواد والخدمات.
وترى هذه الهيئات أن أي حوار اجتماعي لا يفضي إلى إجراءات ملموسة في هذا الاتجاه سيبقى محدود الأثر، ولن يحقق الانتظارات المعبر عنها من طرف الشغيلة.
وبحسب المعطيات المتوفرة للجريدة 24، تتجه النقابات إلى طرح حزمة من المطالب خلال هذا الموعد، من أبرزها إقرار زيادة عامة في الأجور لفائدة موظفي القطاع العام والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، إلى جانب عمال ومستخدمي القطاع الخاص، فضلاً عن مراجعة المعاشات بما يتلاءم مع مستوى التضخم المسجل.
كما يرتقب أن تشمل هذه المطالب مراجعة بعض القوانين المؤطرة للسوق، خاصة ما يتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، عبر الدعوة إلى وضع سقف قانوني للأرباح وتفعيل آليات مراقبة أكثر صرامة لمواجهة الممارسات الاحتكارية.
وفي موازاة ذلك، برزت مؤشرات توتر إضافية في علاقة بعض النقابات بالحكومة، على خلفية ملفات إصلاحية حساسة، من بينها إصلاح أنظمة التقاعد.
فقد دعت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في بيان لها، إلى تأجيل اجتماع اللجنة التقنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد، الذي كان مقرراً عقده في السادس من أبريل، وربطت مشاركتها في النقاش بضرورة عقد جولة الحوار الاجتماعي أولاً، في خطوة تعكس حجم التباين في مقاربات تدبير هذا الملف، وتؤشر على رغبة النقابات في إعادة ترتيب أولويات التفاوض.
وبررت الهيئة النقابية موقفها بالسياق الاقتصادي الراهن، الذي يشهد، بحسب تعبيرها، تراجعاً ملموساً في القدرة الشرائية للطبقة العاملة نتيجة الزيادات المتتالية في الأسعار، معتبرة أن أي إصلاحات هيكلية، وفي مقدمتها إصلاح التقاعد، ينبغي أن تُواكب بإجراءات اجتماعية موازية تضمن الحد الأدنى من التوازن وتحمي الفئات المتضررة.
في المقابل، أكد مصطفى بايتاس أن جولة أبريل من الحوار الاجتماعي المركزي، الأخيرة في الولاية الانتدابية الحالية، ستُعقد في موعدها المحدد، بمشاركة الحكومة والنقابات العمالية الأكثر تمثيلية والاتحاد العام لمقاولات المغرب.
وأوضح، خلال اللقاء الصحافي الأسبوعي الذي أعقب اجتماع مجلس الحكومة، أن السلطة التنفيذية تعتبر ورش الحوار الاجتماعي خياراً استراتيجياً انخرطت فيه منذ تنصيبها، في أفق تعزيز الثقة مع الشركاء الاجتماعيين وتحقيق مزيد من المكتسبات لفائدة الشغيلة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يسعى فيه مختلف الفاعلين إلى تعزيز قنوات التواصل وتفادي أي تصعيد محتمل، خاصة في ظل حساسية المرحلة وما تفرضه من ضرورة إيجاد حلول توافقية تضمن استمرارية الإصلاحات دون المساس بالاستقرار الاجتماعي.
غير أن تباين سقف الانتظارات بين الحكومة والنقابات يظل عاملاً مؤثراً قد يحدد مآلات هذه الجولة.
في ظل هذا المشهد، تبدو جولة أبريل من الحوار الاجتماعي محطة مفصلية قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة، سواء من خلال التوصل إلى اتفاقات تفتح أفق انفراج اجتماعي وتخفف من حدة الاحتقان، أو عبر تعثر المفاوضات بما قد يكرس مناخ التوتر ويعيد طرح تساؤلات جوهرية حول جدوى هذا المسار التفاوضي.
وبين هذين الاحتمالين، تظل رهانات الحوار الاجتماعي قائمة، ليس فقط على مستوى تحسين الأوضاع المعيشية، بل أيضاً في ما يتعلق بضمان التوازن والاستقرار داخل النسيجين الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.