سقف دعم المحروقات يثير الجدل مع استمرار الزيادات وتفاقم الإقصاء

الكاتب : انس شريد

16 أبريل 2026 - 10:30
الخط :

يشهد ملف دعم المحروقات بالمغرب تصاعدا لافتا في حدة الجدل العمومي، في ظل موجة جديدة من الزيادات التي مست أسعار الوقود خلال الأيام الأخيرة، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات جوهرية بشأن فعالية التدخلات الحكومية وقدرتها على التخفيف من الأعباء المتزايدة التي تثقل كاهل المهنيين والمواطنين على حد سواء، في سياق اقتصادي دولي يتسم بعدم الاستقرار وبتقلبات حادة في أسواق الطاقة.

وفي هذا الإطار، عبّر الاتحاد النقابي للنقل الطرقي، المنضوي تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، عن قلقه من استمرار الارتفاع والتقلب في أسعار المحروقات، وما يترتب عن ذلك من انعكاسات مباشرة على تكاليف الاستغلال في قطاع النقل الطرقي بمختلف مكوناته، مؤكدًا أن المعطيات الميدانية التي توصل بها من مهنيي نقل البضائع والمسافرين وسيارات الأجرة تشير إلى وجود فجوة واضحة بين الدعم المقدم والارتفاع الحقيقي في تكاليف الوقود.

وأوضح المصدر النقابي، في بيان رسمي، أن نظام الدعم الحالي لا يعكس الكلفة الفعلية التي يتحملها المهنيون، مشيرًا إلى أن الدعم المحدد في 3 دراهم للتر الواحد يظل محدود الأثر بالنظر إلى مستويات الاستهلاك المرتفعة، فضلًا عن تسجيل اختلالات مرتبطة بعدم انتظام صرفه وتأخر أدائه في عدد من الحالات، وهو ما يزيد من الضغط المالي على الفاعلين في القطاع.

وبخصوص نشاط نقل البضائع، تفيد المعطيات المهنية حسب مضمون البلاغ بأن شاحنات النقل الوطني تستهلك ما بين 30 و35 لترًا لكل 100 كيلومتر، مع معدل تنقل شهري يتراوح بين 10 آلاف و12 ألف كيلومتر، ما يعني استهلاكًا شهريًا يقارب 3500 لتر، في حين قد يصل استهلاك الشاحنات الثقيلة العاملة على الصعيدين الوطني والدولي إلى نحو 6000 لتر شهريًا، وهو ما يطرح إشكالًا حقيقيًا عند ربط الدعم بسقف مالي لا يتجاوز 6000 درهم، في وقت يفترض فيه أن يبلغ الدعم، وفق معادلة 3 دراهم للتر، مستويات أعلى بكثير، الأمر الذي يكشف عن تناقض بين الآلية النظرية والتطبيق الفعلي.

وفي قطاع نقل المسافرين،يشير البلاغ إلى أن الحافلات تستهلك في المتوسط حوالي 34 لترًا لكل 100 كيلومتر، مع معدل تنقل شهري يتراوح بين 8000 و10000 كيلومتر، ما يفضي إلى استهلاك يتراوح بين 2700 و3400 لتر شهريًا، مقابل دعم لا يتجاوز 7000 درهم للحافلة، وهو ما تعتبره الهيئات المهنية غير كافٍ لمواجهة الارتفاعات المسجلة في أسعار الوقود وباقي تكاليف التشغيل.

أما بالنسبة لسيارات الأجرة، فإن سيارات الصنف الأول تستهلك في المتوسط حوالي 15 لترًا يوميًا، أي ما يقارب 450 لترًا شهريًا، مع دعم لا يتجاوز 2200 درهم، في حين تستهلك سيارات الصنف الثاني نحو 10 لترات يوميًا، أي حوالي 300 لتر شهريًا، مقابل دعم في حدود 1600 درهم، حسب مضمون البلاغ.

وسجل الاتحاد النقابي للنقل الطرقي إقصاء فئة المركبات النفعية من الاستفادة من دعم الغازوال، رغم دورها الحيوي في نقل السلع والخضر والفواكه من الضيعات الفلاحية إلى الأسواق، معتبرًا أن هذا الإقصاء يطرح تساؤلات حول معايير الاستفادة ومدى احترام مبدأ الإنصاف بين مختلف الفاعلين في منظومة النقل.

في المقابل، سجلت محطات التزود خلال الفترة الأخيرة زيادات قاربت 3 دراهم للتر بالنسبة إلى الغازوال وأكثر من درهم واحد للبنزين، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار النقل والخدمات، وأسهم في تعميق الضغوط الاجتماعية، وسط مؤشرات تفيد بأن كلفة المحروقات باتت تمثل نسبة مهمة من نفقات التشغيل في عدد من القطاعات الاقتصادية.

ورغم إرجاع جزء من هذه الزيادات إلى تقلبات السوق الدولية وتداعيات التوترات الجيوسياسية في مناطق إنتاج الطاقة، فإن النقاش الداخلي يزداد حدة في ظل مطالب متصاعدة بإعادة تقييم السياسات العمومية المعتمدة، خصوصًا مع استمرار اعتماد مقاربات ظرفية لم تعد، بحسب عدد من الفاعلين، قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة.

وفي هذا السياق، عادت الحكومة إلى تفعيل آلية الدعم الاستثنائي لفائدة مهنيي النقل الطرقي، وهو القرار الذي تم الإعلان عنه في 17 مارس 2026، غير أن هذه الخطوة لم تفلح في احتواء موجة الانتقادات، حيث اعتبر مهنيون وبرلمانيون أن الإشكال لا يرتبط فقط بوجود الدعم، بل بمدى نجاعته وانعكاسه الفعلي على أسعار النقل وعلى القدرة الشرائية للمواطنين.

ودخل البرلمان على خط هذا النقاش، حيث وجه النائب البرلماني عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عمر أعنان، سؤالًا كتابيًا إلى وزارة النقل واللوجستيك، دعا فيه إلى توضيح خلفيات إقصاء بعض القطاعات من الاستفادة، وعلى رأسها قطاع تعليم السياقة، معتبرًا أن هذا الأخير يشكل مكونًا أساسيًا في منظومة النقل الطرقي ويسهم في تعزيز السلامة الطرقية ويضم آلاف المهنيين والمقاولات الصغرى.ك

وأشار السؤال البرلماني إلى أن التطبيق العملي لآلية الدعم أبان عن اختلالات في تحديد المستفيدين، ما يطرح إشكالات قانونية وتنظيمية تتعلق بمعايير الانتقاء، كما يثير تساؤلات حول مدى انسجام هذه المقاربة مع مبادئ العدالة المجالية والاجتماعية التي يفترض أن تؤطر السياسات العمومية.

وفي السياق ذاته، حذرت هيئات مهنية تمثل المقاولات الصغرى في قطاع نقل المستخدمين من تداعيات الارتفاع المستمر في أسعار المحروقات، مشيرة إلى أن هذه الأخيرة باتت تمثل أكثر من 70 في المائة من تكاليف التشغيل، ما أدى إلى تآكل هامش الربحية ودفع عدد من المقاولات إلى حافة الإفلاس، مع ما يحمله ذلك من تهديد مباشر لمناصب الشغل.

ودعت هذه الهيئات إلى مراجعة قيمة الدعم والرفع منه، إلى جانب تسريع صرفه واعتماد إجراءات موازية، من بينها إقرار آلية “الغازوال المهني” وتقديم إعفاءات ضريبية، مع مطالبة الشركاء الاقتصاديين، خصوصًا الشركات الكبرى المستفيدة من خدمات النقل، بإعادة النظر في أثمنة العقود بما يضمن التوازن المالي للمهنيين.

ويعكس هذا الوضع حجم التحديات التي تواجه تدبير ملف المحروقات بالمغرب، بين ضرورة الحفاظ على التوازنات المالية للدولة والاستجابة لمطالب المهنيين والمواطنين، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى اعتماد إصلاحات هيكلية شاملة تتجاوز الحلول الظرفية، وتؤسس لنموذج أكثر عدالة ونجاعة، قادر على ضمان استقرار الأسعار ودعم القدرة الشرائية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

آخر الأخبار