بعد أزمة 2025.. تعزيز صيانة الربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا
تشهد العلاقات بين المغرب وإسبانيا مرحلة متقدمة من التنسيق في المجال الطاقي، تعكسها عملية مراجعة تقنية واسعة لخطوط الربط الكهربائي البحرية العابرة لـمضيق جبل طارق، وذلك بالتزامن مع اقتراب الذكرى الأولى للانقطاع الشامل للكهرباء الذي عرفته شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 2025، وهو حدث أعاد تسليط الضوء على أهمية تأمين الشبكات الكهربائية العابرة للحدود وتعزيز صلابتها في مواجهة الاضطرابات الطارئة.
وتأتي هذه التحركات في سياق ديناميكية متصاعدة بين الرباط ومدريد، مدعومة بتقارب سياسي واستراتيجي متزايد، إلى جانب بروز ملفات الطاقة كأحد أهم محاور التعاون الثنائي. وقد كشفت صحيفة The Objective الإسبانية أن شركة Red Eléctrica والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بالمغرب أطلقا مناقصة دولية من أجل إخضاع الكابل البحري الرابط بين البلدين لفحص دقيق وشامل، يشمل تقييم حالته التقنية على أعماق تتجاوز 600 متر تحت سطح البحر.
وتُعد هذه البنية التحتية، حسب الصحيفة، من أبرز المشاريع الاستراتيجية في مجال الربط الطاقي بين القارتين الأوروبية والأفريقية، إذ تتيح تبادل تدفقات الكهرباء في الاتجاهين، بما يضمن مرونة أكبر في توازن العرض والطلب بين الشبكتين.
وقد نُفذت عمليات التفقد باستخدام تقنيات متقدمة، من بينها مركبات يتم التحكم فيها عن بعد قادرة على العمل في الأعماق البحرية، ما يعكس الطبيعة المعقدة والحساسة لهذا النوع من المنشآت.
ووفق المعطيات التي أوردتها الصحيفة الإسبانية، فإن هذه العملية تُدار من مدينة طنجة، التي باتت تُشكل مركزًا لوجستيًا وتقنيًا محورياً في إدارة مشاريع الربط الطاقي بين الضفتين، بالنظر إلى موقعها الجغرافي القريب من نقطة العبور البحرية، ودورها المتزايد في دعم البنية التحتية للطاقة بين أوروبا وأفريقيا.
ورغم الطابع التقني البحت لهذه العملية، إلا أنها تكتسب أبعادًا استراتيجية واضحة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة على المستوى الدولي، وتنامي التنافس الأوروبي على تأمين مصادر مستقرة ونظيفة للكهرباء، خصوصًا القادمة من شمال أفريقيا، حيث يمتلك المغرب إمكانات كبيرة في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المغرب كشريك استراتيجي للاتحاد الأوروبي في مسار الانتقال الطاقي، وهو ما تؤكده مشاريع كبرى قيد الدراسة أو التطوير، من بينها مشاريع الربط الكهربائي البحري طويلة المدى التي تستهدف نقل الطاقة المتجددة نحو القارة الأوروبية، وتعزيز أمن الإمدادات الكهربائية في المستقبل.
وتكتسي عمليات الصيانة والمراجعة الدورية لهذا الربط البحري أهمية مضاعفة، خاصة في ضوء التجربة التي عاشتها إسبانيا خلال انقطاع الكهرباء الواسع سنة 2025، والذي كشف عن هشاشة بعض الجوانب المرتبطة باستقرار الشبكات الكهربائية، ودفع نحو إعادة تقييم آليات المراقبة والتأمين الطاقي. وقد ساهمت حينها القدرات التبادلية مع المغرب في التخفيف من حدة الأزمة، ما عزز قناعة الطرفين بأهمية تعزيز هذا الربط الحيوي.
كما تعكس هذه التحركات المشتركة إدراكًا متزايدًا لدى البلدين بأن مضيق جبل طارق لم يعد مجرد ممر بحري استراتيجي، بل تحول إلى محور طاقي دولي بالغ الأهمية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن الطاقي والتكامل الاقتصادي والتنافس الجيوسياسي، في وقت تتجه فيه السياسات الأوروبية نحو تنويع مصادر الطاقة وتقوية الربط مع الجنوب.
ويؤشر استمرار هذه الشراكة التقنية إلى مسار طويل الأمد من التعاون بين الرباط ومدريد، يقوم على تحديث البنيات التحتية وتعزيز موثوقية الشبكات، بما يضمن استدامة تدفقات الكهرباء بين الضفتين، ويكرس موقع المنطقة كممر استراتيجي رئيسي في هندسة الطاقة العالمية خلال السنوات المقبلة.