هل يصبح المغرب الرابح الأكبر من التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر؟

الكاتب : الجريدة24

21 يونيو 2026 - 11:00
الخط :

عزز المغرب موقعه ضمن أبرز الوجهات المرشحة لاستقطاب الاستثمارات الخضراء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بعدما سلط تقرير حديث صادر عن معهد السياسات المستدامة التابع لـالمنتدى المؤسسات المالية والنقدية الرسمية (OMFIF) الضوء على المقومات التي يمتلكها الاقتصاد المغربي، معتبرا أن المملكة تقدم نموذجاً مختلفاً في مسار التحول نحو الاقتصاد الأخضر، يرتكز على التنافسية الصناعية والانفتاح التجاري، أكثر من اعتماده على الإنفاق السيادي الضخم الذي يميز تجارب أخرى في المنطقة.

وأوضح التقرير أن التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، إلى جانب تزايد حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الاستثمارات المناخية طويلة الأمد في الولايات المتحدة، قد تدفع المستثمرين الدوليين إلى البحث عن أسواق بديلة تتوفر فيها مقومات الاستقرار والنمو، مشيرا إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مرشحة لاستقطاب جزء من هذه التدفقات الاستثمارية، مع بروز المغرب كواحد من أكثر البلدان قدرة على الاستفادة من هذا التحول.

وأشار المصدر ذاته إلى أن البيئة الاستثمارية في المنطقة لا تتسم بالتجانس، بالنظر إلى اختلاف الإمكانات المالية ومستويات التطور المؤسساتي وقدرة الدول على مواجهة الصدمات الخارجية، غير أن المرحلة المقبلة، بحسب التقرير، ستمنح الأفضلية للدول التي تجمع بين وفرة موارد الطاقة المتجددة، ووضوح الرؤية الصناعية، والانفتاح التجاري، ومصداقية السياسات العمومية، وهي عناصر اعتبر أن المغرب نجح في توفير جزء مهم منها خلال السنوات الأخيرة.

وأكد التقرير أن التغيرات المناخية لم تعد قضية بيئية فحسب، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالتنافسية الاقتصادية، وسلاسل التوريد، والأمن الغذائي، والاستقرار اللوجستي، وهو ما يجعل قدرة الدول على التكيف مع هذه التحولات عاملاً حاسماً في جذب الاستثمارات المستقبلية، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد العالمي.

ولفت التقرير إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تظل الأكثر معاناة من ندرة الموارد المائية على الصعيد العالمي، وهو ما يزيد من هشاشة أنظمتها الاقتصادية والغذائية، موضحاً أن التجارة الدولية تخفف جانباً من هذه الضغوط عبر تأمين الواردات الأساسية، لكنها في المقابل تجعل الاقتصادات أكثر عرضة لتقلبات سلاسل الإمداد والأزمات الجيوسياسية التي تؤثر على حركة الملاحة البحرية وأسواق الطاقة.

وسجل التقرير أن الاضطرابات التي شهدها البحر الأحمر وقناة السويس، إلى جانب التوترات المحيطة بمضيق هرمز، أبرزت حجم المخاطر التي قد تواجهها الاقتصادات المعتمدة على التجارة الدولية، وهو ما جعل المستثمرين يولون أهمية متزايدة للدول التي تنجح في بناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على مواجهة هذه المتغيرات.

وفي هذا السياق، اعتبر التقرير أن المغرب استطاع تحويل جزء من هذه التحديات إلى فرص استراتيجية، مستفيداً من موقعه الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية، ومن اندماجه في سلاسل الإنتاج والتوريد الصناعية، فضلاً عن توجهه المتواصل نحو تطوير مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، بما يعزز مكانته كمنصة صناعية وتجارية منخفضة الانبعاثات الكربونية.

وأوضح المصدر أن العلاقة الاقتصادية الوثيقة التي تربط المغرب بالاتحاد الأوروبي تمنحه أفضلية إضافية، خاصة مع تشديد أوروبا لمعايير الاستدامة البيئية واعتماد آليات جديدة، من بينها آلية تعديل حدود الكربون (CBAM)، التي أصبحت تفرض على الشركات والدول الراغبة في الولوج إلى السوق الأوروبية الالتزام بمعايير مناخية أكثر صرامة، وهو ما يجعل الاستثمار في الطاقة النظيفة ضرورة اقتصادية إلى جانب كونه خياراً بيئياً.

وأشار التقرير إلى أن المغرب يراهن على هذا التحول من خلال تسريع وتيرة الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، مبرزاً أن المملكة صادقت خلال شهر مارس 2025 على مشاريع في قطاع الهيدروجين الأخضر بقيمة تقارب 32.5 مليار دولار، في خطوة تعكس الرغبة في ترسيخ مكانتها ضمن الاقتصادات الصاعدة في مجال الصناعات منخفضة الكربون.

وفي مقارنة مع عدد من دول الخليج، أوضح التقرير أن النموذج المغربي يتميز بكونه يعتمد بشكل أكبر على الموقع الجغرافي، والقدرة التصديرية، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، بينما ترتكز التجارب الخليجية أساساً على الإمكانات المالية الكبيرة والاستثمارات العمومية الواسعة، وهو ما يمنح المغرب مساراً مختلفاً في بناء اقتصاده الأخضر.

ورغم المؤشرات الإيجابية، شدد التقرير على أن نجاح هذا المسار يظل رهيناً بقدرة المملكة على تحويل المشاريع المعلنة إلى استثمارات منتجة على أرض الواقع، عبر تطوير البنيات التحتية، وتعزيز شبكات الطاقة، وتأهيل المناطق الصناعية، ورفع جاهزية المقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة، للاستجابة لمتطلبات التمويل والتنافسية والمعايير البيئية الجديدة.

وخلص معهد السياسات المستدامة التابع لـالمنتدى المؤسسات المالية والنقدية الرسمية (OMFIF) إلى أن المغرب يمثل أحد أبرز النماذج الإقليمية التي تسعى إلى تحويل الضغوط المناخية والتجارية إلى رافعة لإعادة التموضع الاقتصادي، معتبراً أن الدول القادرة على ترجمة الطموحات البيئية إلى مشاريع صناعية ذات مصداقية ستكون الأكثر استفادة من موجة الاستثمارات الخضراء المقبلة، وأن المغرب يبدو في موقع متقدم لاختبار هذا التحول على أرض الواقع.

آخر الأخبار