رحلة الصوف... من ظهر الخروف إلى دفئ البيوت

الكاتب : الجريدة24

23 يونيو 2026 - 09:00
الخط :

أمينة المستاري

على ظهر الخروف، يبدأ السرد؛ هناك حيث تتمايل خصلات الصوف كغيمة بيضاء وادعة، ترعى في قمم الجبال الشامخة والسهول، وما إن يحل الربيع وينبئ الصيف بقدومه، حتى يحين موعد "الجزّ"...إنها لحظة الانعتاق، حيث تمتد أيادي المربين الحانية بمقاص خشبية، ليرفعوا عن كاهل الخراف قر الصيف وبرد الشتاء، في مشهد تتساقط فيه كتل الصوف الناعمة كالثلج المنسكب، لتجمع في أكياس الخيش، وتبدأ أولى خطوات الرحلة العجيبة.

قديما حرصت النساء المغربيات القرويات على التكفل بالعملية، فكن يحملن الصوف إلى الوادي لغسله على الصخور باستعمال قطعة خشبية غليظة، قبل أن تتحول عملية التنظيف إلى الأحواض التي تملء بالماء الساخن، يتصاعد منه الدخان ويتراقص داخله الصوف ليغتسل من شوائبه ويتخلص من غبار المراعي. ثم تأتي عملية فكه وتفرق أجزاؤه بعد أن يتم تنشيفه في الشمس، وتأتي مرحلة صبع الصوف في حالة فضل الحرفي ذلك، ويمشط فردا فردا ب"المشط"، قبل تشبك فوق النول الخشبي، فتبدأ رحلة التحول العجيبة على آلة المنسج خيط يصعد وخيط ينزل وخيط يمتد عرضا وخيط يثبث طولا، حتى تتشكل الصوف وتتخذ شكل زربية تفوح منها رائحة القطن...بعد أن كانت تلك الخصلات تقضي يومها ترعي في الجبال...هي حكاية الأيدي التي نسجتها وذكرى الأطفال الذين نشأوا في حضنها( الزربية) ...هكذا يتحول الصوف من كائن يسكن المراعي إلى امتداد يكسر البرد في ليالي الشتاء، ومن زربية تدفئ الأقدام إلى إرث تتوارثه الأجيال.

عند بداية فصل الربيع إلى شهر يونيو، يبدأ موسم الجز، ويكون مربوا الماشية على موعد مع عملية اعتادوا القيام بها أبا عن جد باستعمال مقص ذي مقابض خشبية مصقولة، فقد بدأ موسم تخليص الخرفان من صوفهم قبل دخول فصل الصيف.

يوم طويل يقضيه مربي الماشية، يمسك بأول حمل إلى أكبرهم، يتسلل الصوف الناعم بين أصابعه، ويبدأ في تمشيطه من الأعلى إلى الأسفل، لإزالة الأوراق الجافة...ثم يقص الصوف بحركات متمرسة، ليسقط على الأرض في كتل بيضاء كالثلج، قبل أن يحمله في كيس من الخيش، ويسلمه لزوجته لنساء من الأسرة لحمله إلى الوادي.

كان أهل القرى يبنون حوضا من الحجارة في الوادي، يملأ بماء النهر وتضاف إليه صابون يأخذ إما من الرماد أو جذور نبتة "تيغشت" الذي يتحول إلى مادة تنتج رغوة كثيفة، ويغمر الصوف في الماء ويدلك باليد، ثم تتكرر عملية غسله ثلاث مرات حتى يصبح الماء صافيا، ويمد على الصخور حتى ينشف بفعل الشمس الحارة، لينتقل إلى مرحلة أخرى.

"من المغزل تبدأ الحياة" هي قولة الجدات اللواتي آمن بها وورثنها لأحفادهن وحفيداتهن.

أمينة السوسي، الفنانة الأمازيغية التي عشقت الفن وكل ما له علاقة بالتراث الأمازيغي من لباس وعادات وتقاليد وطقوس...تحدثت "للجريدة24 "عن مراحل صناعة الصوف: من ظهر الخروف حتى تصل مرحلة إنتاج الزربية....

فبعد تنظيف الصوف على الصخور، تحمله النساء إلى بيوتهن، يكون مجموعات، لتبدأ أناملهن عملية أخرى: نكش الصوف وحلها باليد، ثم استعمال القرشال لفك الصوف قبل غزله وصبغه بمواد طبيعية قشور الرمان والفوة والعرعار، فتوضع اللفائف الصوفية في قدر كبير مليء بالماء وتترك تغلي ببطء، حتى تتسلل الألوان إلى الخيوط كأنها تتنفس حياة جديدة، قبل أن يتم ربط أحد أطراف الخيط على المغزل ليبدأ في لف الخيوط حول العجلة، وتتحول خيوط تصبح بعد نسجها زربية، جلبابا، لحافا، أو خياما...

وعن أول بدايات عملية استعمال الصوف في الموروث الشعبي، تحكى الفنانة الأمازيغية أن سيدة كانت تقطن في جبال الأطلس، حيث تنخفض درجة الحرارة في فصل الشتاء، وفكرت في طريقة لحماية أطفالها من البرد، فتوصلت إلى طريقة تحويل صوف الماشية إلى أغطية تدفئ بها أبناءها، حتى أصبحت عادة لأهل المنطقة والمناطق الأخرى.

جلست الفنانة السوسية التي عشقت كل ما له علاقة مع التراث وجعلته موضوعا لبحث مستمر، في ورشة بقرية كرنفال بيلماون، تحرك يداها لشرح مراحل غزل الصوف...تلف الخيوط على المغزل، وتسحبها برفق في إيقاع هادئ.

تسترجع الفنانة ذكريات طفولتها، حينما كانت تجالس والدتها وجدتها وهما يغزلان الصوف بمعية نساء من الدوار" قادات"، كانت تراقب العملية من ألفها إلى يائها، وتتعلم "الحرفة" كباقي فتيات المنطقة، وبعد أن أصبحت فنانة ومصممة أزياء لأفلام تاريخية كان الصوف منطلقا لإبداعها، إبداع نابع من مخيلة وتمرس، ف"اللون هو روح السَجادة" تقول أمينة التي تؤكد : " حنا فرطنا فهاد الحرفة وبدات تنقرض".

الفنانة أمينة السوسي في بحث دام حول كل ما هو تراثي، خاصة " ما هو أمازيغي" كالعادات والتقاليد ليس فقط في المغرب بل في مجموعة من الدولة، بحث عن اللمسة العربية والأمازيغية، وبفضل مجالستها لنساء العائلة تعلمت مجموعة من الأعمال اليدوية من ديكورات، ألبسة، طرز...

لكن "الصنعة" لم تعد كسابق عهدها، فقد تغيرت طرق النسج وظهرت الزربية العصرية والطرز بالآلات الحديثة...لكن ومع ذلك يظل وميض من الأمل مع نساء تازناخت والأطلس اللواتي تشبثن باستماتة بحرفتهن، يكافحن من أجل إبقائها وإنقاذها من الضياع، بل هي بمثابة لقمة عيش لهن أيضا.

وتقترح الفنانة الأمازيغية إحداث نوادي تستقبل الفتيات الراغبات في تعلم الحرفة حتى لا تندثر وتظل إرثا تتوارثه الأجيال.

آخر الأخبار