16 مليون مغربي خارج صناديق الاقتراع.. تقرير يدق ناقوس الخطر بشأن المشاركة السياسية

الكاتب : الجريدة24

27 يونيو 2026 - 11:00
الخط :

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المرتقبة، يعود ملف المشاركة السياسية إلى صدارة النقاش العمومي في المغرب، وسط رهانات متزايدة على تعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة وتجديد النخب السياسية واستقطاب فئات واسعة من الشباب والنساء إلى العمل الحزبي، في وقت تكشف فيه مؤشرات حديثة استمرار اتساع دائرة العزوف الانتخابي، بما يجعلها أحد أبرز التحديات المطروحة أمام الفاعلين السياسيين والمؤسسات خلال المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، كشف تقرير استشرافي أصدره المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة تحت عنوان "المشهد الحزبي والسياسي في المغرب في أفق 2035" أن أكبر كتلة سياسية في المغرب ليست حزبا أو تحالفا انتخابيا، وإنما المواطنين الذين يختارون عدم المشاركة في الانتخابات، بعدما بلغ عدد المؤهلين للتصويت الذين لم يشاركوا في انتخابات سنة 2021 أكثر من 16.4 مليون شخص، أي ما يعادل 65.1 في المائة من مجموع المواطنين في سن التصويت، وهو ما يجعل ما وصفه التقرير بـ"الفئة الصامتة" القوة الأولى داخل المشهد السياسي المغربي.

وأوضح التقرير أن عدد المواطنين في سن التصويت خلال انتخابات 2021 بلغ نحو 25.23 مليون شخص، في حين لم يتجاوز عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 17.51 مليون ناخب، بينما بلغ عدد المصوتين الفعليين 8.8 ملايين فقط، وهو ما يمثل 34.9 في المائة من مجموع المؤهلين للتصويت، مقابل نسبة مشاركة بلغت 50.35 في المائة عند احتسابها انطلاقا من عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، الأمر الذي يعكس، بحسب التقرير، وجود فجوة كبيرة بين المؤشرات الرسمية للمشاركة والواقع الفعلي للإقبال على صناديق الاقتراع.

ويرى معدو الدراسة أن هذه الأرقام تكشف أن أكثر من ستة مواطنين من كل عشرة ممن يحق لهم التصويت لم يحولوا هذا الحق إلى مشاركة فعلية، وهو ما يجعل أزمة المشاركة تتجاوز بعدها العددي لتتحول إلى سؤال يرتبط بمدى قوة التمثيلية السياسية للمؤسسات المنتخبة، خاصة وأن الأغلبية البرلمانية تستند، وفق التقرير، إلى قاعدة انتخابية أضيق بكثير مما توحي به النتائج الرسمية.

ولفت التقرير إلى أن قاعدة المؤهلين للتصويت لا تعني بالضرورة أن جميع أفرادها قادرون عمليا على المشاركة، بالنظر إلى وجود فئات من مغاربة العالم أو مواطنين تعترضهم ظروف مختلفة تحول دون التصويت، غير أن ذلك لا يلغي أن حجم الفجوة المسجل يظل مؤشرا واضحا على محدودية الانخراط في العملية الانتخابية وتراجع مستويات المشاركة السياسية.

وأرجعت الدراسة هذا الوضع إلى تراكم عوامل سياسية ومؤسساتية واجتماعية، معتبرة أن العزوف الانتخابي لا يعكس بالضرورة لامبالاة المواطنين بالشأن العام، وإنما يرتبط أساسا بتراجع الثقة في قدرة الانتخابات على إحداث تغيير ملموس في السياسات العمومية وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن شعور شريحة واسعة من المواطنين بأن نتائج الاقتراع لا تنعكس بشكل مباشر على حياتهم اليومية.

واستند التقرير إلى نتائج "الباروميتر العربي" التي أظهرت أن الثقة في الأحزاب السياسية لا تتجاوز 18 في المائة، وهي أدنى نسبة بين مختلف المؤسسات، مقابل 38 في المائة بالنسبة للبرلمان و33 في المائة للحكومة، في حين بلغ تأييد النظام البرلماني التعددي 68 في المائة، وهو ما اعتبرته الدراسة دليلا على أن الأزمة لا تمس الخيار الديمقراطي في حد ذاته، وإنما ترتبط بأداء الأحزاب وآليات اشتغالها وقدرتها على القيام بدورها في الوساطة بين المجتمع والدولة.

وأشار التقرير إلى أن تراجع الثقة يرتبط كذلك بضعف الديمقراطية الداخلية داخل عدد من الأحزاب، واستمرار هيمنة منطق الأعيان والاعتبارات الانتخابية الضيقة، إلى جانب محدودية تجديد النخب وتقارب الخطابات والبرامج السياسية، وهو ما جعل الناخب يجد صعوبة متزايدة في التمييز بين المشاريع السياسية المختلفة، خاصة مع تمركز أغلب الأحزاب في وسط المشهد السياسي وتقارب عروضها الانتخابية.

وأكدت الدراسة أن المشهد الحزبي المغربي يعرف أيضا ما وصفته بظاهرة "التطاير الانتخابي"، مستشهدة بالتحولات التي عرفتها نتائج الانتخابات بين سنتي 2016 و2021، حيث انتقل الحزب الذي تصدر انتخابات 2016 من 125 مقعدا إلى 13 مقعدا فقط في انتخابات 2021، في المقابل ارتفع رصيد حزب آخر من 37 مقعدا إلى 102 مقعد، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، تصويتا عقابيا وظرفيا أكثر من كونه تعبيرا عن ولاءات سياسية مستقرة أو ارتباط طويل الأمد بالبرامج الحزبية.

وأضاف التقرير أن هذا التحول لا يمكن عزله عن التعديل الذي عرفه القانون التنظيمي رقم 21-04 المتعلق باحتساب القاسم الانتخابي، والذي أصبح يعتمد عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية بدل الأصوات الصحيحة المعبر عنها، وهو ما انعكس بشكل مباشر على طريقة توزيع المقاعد البرلمانية، وأسهم في إعادة تشكيل الخريطة الحزبية خلال انتخابات 2021.

وسجل التقرير أن المشاركة الانتخابية بالمغرب عرفت منحى تنازليا خلال العقود الماضية، بعدما انتقلت من نسب رسمية بلغت 85.3 في المائة في بداية سبعينيات القرن الماضي إلى 37 في المائة خلال انتخابات سنة 2007، قبل أن تعرف ارتفاعا نسبيا في المحطات اللاحقة، دون أن يواكب ذلك استرجاع فعلي لمستويات الثقة في المؤسسات السياسية.

وقسمت الدراسة تطور الحياة السياسية بالمغرب إلى أربع مراحل رئيسية، انطلقت بمرحلة التأسيس بين سنتي 1956 و1970، تلتها مرحلة التوتر السياسي الممتدة إلى سنة 1990، ثم مرحلة الانفتاح السياسي وحكومة التناوب إلى غاية سنة 2011، قبل الانتقال إلى مرحلة دستور 2011 التي عززت اختصاصات البرلمان والحكومة ووسعت فضاءات المشاركة السياسية، مع استمرار تحديات مرتبطة بالتفعيل والنجاعة.

وربط التقرير أزمة المشاركة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، موضحا أن معدل البطالة الوطني بلغ خلال سنة 2025 نحو 13 في المائة، بينما ارتفعت البطالة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة إلى 37.2 في المائة، ووصلت إلى 19.1 في المائة لدى حاملي الشهادات، معتبرا أن استمرار هذه المؤشرات ينعكس بشكل مباشر على علاقة المواطنين بالفعل السياسي ويغذي مشاعر الإحباط وفقدان الثقة.

وأوضح التقرير أن الفئات الأكثر تعليما ليست بالضرورة الأكثر مشاركة في الانتخابات، إذ يظهر العزوف بشكل أكبر داخل الأوساط الحضرية والشابة والمتعلمة، حيث يرتفع الوعي السياسي، لكن يتراجع الإحساس بجدوى المشاركة في ظل الاعتقاد بأن نتائج الانتخابات لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير السياسات العمومية.

وفي المقابل، رفضت الدراسة اختزال عزوف الشباب في اللامبالاة، مؤكدة أنهم لم يغادروا الاهتمام بالشأن العام، وإنما انتقلوا إلى فضاءات جديدة للتعبير، خصوصا عبر المنصات الرقمية وحملات التواصل الاجتماعي والمبادرات المدنية، التي أصبحت تشكل مجالا رئيسيا للنقاش حول قضايا التشغيل والتعليم والعدالة الاجتماعية والبيئة.

وأشار التقرير إلى أن هذا التحول يتزامن مع توسع غير مسبوق في استخدام الوسائط الرقمية، بعدما تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت بالمغرب 35 مليون شخص مع نهاية سنة 2025، أي ما يعادل نحو 92 في المائة من السكان، فيما بلغ عدد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي حوالي 23 مليون مستخدم، وهو ما جعل المنصات الرقمية فضاء رئيسيا للنقاش العمومي، خاصة لدى الشباب.

وسجلت الدراسة في المقابل وجود مؤشرات إيجابية يمكن البناء عليها، من أبرزها تطور تمثيلية النساء داخل مجلس النواب، بعدما ارتفع عدد البرلمانيات من 35 مقعدا تمثل 10 في المائة سنة 2002 إلى 96 مقعدا تمثل 24.3 في المائة خلال انتخابات سنة 2021، معتبرة أن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال من تعزيز الحضور العددي إلى توسيع المشاركة الفعلية للنساء في مراكز اتخاذ القرار.

كما قارن التقرير نسب المشاركة الانتخابية في المغرب بعدد من الدول، مبرزا أن نسبة المشاركة المغربية تبقى أعلى من تونس التي سجلت 11.2 في المائة خلال انتخابات 2022، والجزائر التي بلغت فيها المشاركة 23 في المائة خلال تشريعيات 2021، كما اقتربت من نسبة 49.5 في المائة المسجلة في السنغال خلال انتخابات سنة 2024، معتبرا أن الرهان الحقيقي لا يكمن في المقارنة الإقليمية بقدر ما يتمثل في استعادة ثقة المواطنين ورفع مستويات المشاركة مستقبلا.

واقترحت الدراسة خارطة طريق للإصلاح تمتد من سنة 2026 إلى غاية 2035، ترتكز على تعزيز الديمقراطية الداخلية للأحزاب، وتجديد النخب السياسية، واعتماد التسجيل الآلي في اللوائح الانتخابية عند بلوغ سن الرشد، وتبسيط إجراءات التصويت، وإحداث مرصد وطني مستقل لتتبع مؤشرات الثقة والمشاركة السياسية، إضافة إلى إعداد خرائط دقيقة لبؤر العزوف حسب الفئات العمرية والمجالات الترابية.

ودعت الوثيقة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير آليات الشفافية والمساءلة، من خلال إنشاء منصات لتتبع تنفيذ الوعود الانتخابية وتلخيص نتائج المشاورات العمومية بالاعتماد على البيانات المفتوحة، إلى جانب إطلاق ميثاق وطني لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي العمومي، وبرنامج وطني للتربية الرقمية والمدنية يستهدف تكوين مليون مستفيد في أفق سنة 2030، فضلا عن إطلاق منصة وطنية مفتوحة المصدر لمتابعة تنفيذ الالتزامات العمومية خلال مدة لا تتجاوز 18 شهرا.

كما قدم التقرير تصورا لبرنامج اقتصادي يركز على التشغيل المستدام، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتحقيق العدالة المجالية، وتسريع التحول الرقمي، وإصلاح المنظومة الضريبية، وحماية الموارد المائية، مع تحديد أهداف تتمثل في خفض معدل البطالة إلى 5 في المائة وتحقيق نمو اقتصادي في حدود 6 في المائة بحلول سنة 2035.

وخلص التقرير إلى أن استمرار اتساع "الفئة الصامتة" ينذر بتحول أزمة المشاركة من مجرد مشكلة انتخابية إلى تحد يمس شرعية التمثيل السياسي وفعالية المؤسسات المنتخبة، محذرا من أن بقاء ملايين المواطنين خارج العملية الانتخابية قد يدفع بالنقاش العام إلى فضاءات موازية خارج الأطر التقليدية، وهو ما يجعل إعادة بناء الثقة بين المواطن والأحزاب والمؤسسات أولوية أساسية لضمان نجاح الاستحقاقات المقبلة وتعزيز مسار الإصلاح الديمقراطي والتنمية خلال السنوات القادمة.

آخر الأخبار