تقرير يحذر من اختلالات تهدد ورش الحماية الاجتماعية بالمغرب

الكاتب : عبد اللطيف حيدة

07 يوليو 2026 - 02:00
الخط :

رغم الخطوات التي قطعها المغرب في تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية، فإن الطريق نحو بناء "الدولة الاجتماعية" لا يزال محفوفا باختلالات مؤسساتية وحكامة مرتبكة، وفق ما خلص إليه تقرير تحليلي حديث.

التقرير اعتبر أن الحكومة لم تنجح بعد في تحويل هذا المشروع الملكي إلى سياسة عمومية متكاملة وقادرة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

وكشف تقرير صادر عن المعهد المغربي لتحليل السياسات بعنوان "هل نجح المغرب في تعميم الحماية الاجتماعية؟" أن ورش الحماية الاجتماعية يعاني من ضعف المواكبة السياسية والتنسيق المؤسساتي، وهو ما انعكس على وتيرة التنزيل، وأدى إلى استمرار عدد من الإشكالات التي تمس المواطنين بشكل مباشر، سواء في الولوج إلى الدعم أو الاستفادة من خدمات التغطية الصحية.

ويرى التقرير أن الحكومة تعاملت مع إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية باعتباره البوابة الأساسية لبناء الدولة الاجتماعية، غير أن النتائج المسجلة إلى حدود الآن لا تعكس تحقيق هذا الرهان، بسبب غياب الانسجام بين برامج الحماية الاجتماعية والسياسات العمومية في مجالات حيوية، من بينها التشغيل والصحة والتحول الرقمي والعدالة المجالية.

وأوضح المصدر ذاته أن القانون الإطار المؤطر لهذا الورش كان يفترض أن يشكل مرجعية استراتيجية شاملة تقود عملية التعميم خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، مع ضمان التنسيق بين مختلف المتدخلين وربط الأبعاد الاجتماعية بالرهانات الاقتصادية، إلا أن هذا الهدف، بحسب التقرير، لم يتحقق بالشكل المطلوب.

وتوقف التقرير عند ضعف انتظام اجتماعات اللجنة الوزارية المكلفة بقيادة إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية، رغم أنها تعتبر الآلية المركزية لتتبع هذا الورش.

وأشار إلى أن القانون يفرض اجتماع اللجنة مرة واحدة على الأقل كل ثلاثة أشهر، غير أنها لم تعقد بصفتها الرسمية سوى مرتين فقط خلال سنتي 2024 و2025، فيما لم يتجاوز مجموع اجتماعاتها ثمانية لقاءات منذ سنة 2022، وهو ما اعتبره مؤشرا على غياب المواكبة السياسية المستمرة.

واعتبر التقرير أن هذا الوضع انعكس سلبا على تدبير الأجندة التشريعية، وأخر معالجة عدد من الاختلالات المرتبطة بالتنزيل الميداني، كما ساهم في إضعاف التواصل المؤسساتي وخلق تضارب في المعطيات المرتبطة بحصيلة الإصلاح.

غموض يحيط بالدعم 

وسجل التقرير وجود نقص واضح في التواصل الرسمي مع المواطنين بشأن ملفات حساسة ترتبط مباشرة بالاستفادة من برامج الحماية الاجتماعية.

ومن بين أبرز هذه الملفات، غياب توضيحات حول معايير مراجعة ملفات المستفيدين السابقين من نظام المساعدة الطبية، وآليات إدماجهم ضمن نظام "أمو تضامن"، إضافة إلى استمرار الغموض بشأن الأسباب التي تقف وراء رفض عدد من طلبات الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر، وهو ما اعتبره التقرير عاملا يضعف الثقة في المنظومة الجديدة.

تداخل يربك الحكامة

وعلى المستوى التنظيمي، رصد التقرير عددا من الاختلالات المرتبطة بتوزيع الاختصاصات بين المؤسسات المشرفة على الورش.

وأشار إلى أن الوكالة الوطنية للسجلات تواجه غموضا في اختصاصاتها نتيجة تداخل أدوارها مع مؤسسات أخرى، إلى جانب عدم وضوح آليات تعيين مسؤوليها ومراقبة أدائها، فضلا عن غياب تصور واضح بشأن كيفية التحقق من صحة المعطيات الاجتماعية التي تعتمد عليها عمليات الاستهداف.

كما سجل التقرير أن الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي لم تتمكن بعد من الاضطلاع الكامل بمهامها، خصوصا في ما يتعلق بإعداد المؤشرات الإحصائية، وتتبع أثر الدعم المباشر، وإنجاز عمليات التقييم الدوري.

واعتبر أن استمرار إسناد عدد من المهام التنفيذية إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يزيد من الأعباء الإدارية الملقاة على عاتقه، وقد يؤثر على فعالية أدائه في تدبير مختلف برامج الحماية الاجتماعية.

انتقادات لهيئات التقنين

ولم يستثن التقرير هيئات التقنين الصحية من دائرة الانتقاد، إذ اعتبر أن الوكالة الوطنية للتأمين الصحي لا تزال تعاني من ضعف في الأدوات القانونية والتقنية التي تمكنها من أداء دورها كهيئة ضابطة للمنظومة، محذرا من إعادة إنتاج الاختلالات التي طبعت تجربتها السابقة.

كما سجل أن الهيئة العليا للصحة لم تنطلق بعد في ممارسة وظائفها المتعلقة بالتأطير التقني وضبط جودة الخدمات، في ظل استمرار الغموض حول مستوى إشراكها في مراجعة التعريفة الوطنية المرجعية، إضافة إلى محدودية الموارد والإمكانات المتاحة لها.

وفي ما يخص الوكالة الوطنية للأدوية والمنتجات الصحية، اعتبر التقرير أن تأثيرها سيظل محدودا بسبب هيمنة الطابع الاستشاري على صلاحياتها، فضلا عن الصعوبات المرتبطة باستكمال تحولها إلى مؤسسة عمومية مستقلة، سواء على مستوى الموارد البشرية أو الاستقلال الإداري والمالي.

كما انتقد التقرير تبني الوكالة، في بدايات عملها، للرواية الحكومية التي تتحدث عن وفرة أدوية الأمراض المزمنة، معتبرا أن هذا الموقف يتعارض مع خلاصات مجلس المنافسة التي تؤكد استمرار اختلالات حقيقية في سوق الدواء، سواء من حيث التزويد أو توازن العرض والطلب.

ويخلص التقرير إلى أن نجاح ورش الحماية الاجتماعية لن يقاس فقط بتوسيع قاعدة المستفيدين، وإنما بقدرة الدولة على بناء منظومة تتمتع بحكامة فعالة، ومؤسسات قوية، وتنسيق محكم، وتواصل شفاف يعزز ثقة المواطنين في أحد أكبر الأوراش الاجتماعية التي يشهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة.

 

آخر الأخبار