ملف فراقشية السمك يضغط على الحكومة وسط تصاعد الغضب من الغلاء
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يتجه النقاش السياسي بشكل متزايد نحو القضايا الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالقدرة الشرائية واختلالات الأسواق، بعدما أصبحت ملفات المعيشة اليومية تحتل موقعاً متقدماً في أجندة البرلمان.
وفي هذا السياق، برز ملف الوسطاء في تسويق المنتجات البحرية كأحد أبرز المواضيع التي استأثرت بالنقاش داخل مجلس النواب، وسط دعوات إلى تشديد الرقابة على مسالك توزيع الأسماك والحد من الممارسات غير القانونية التي تؤثر على الأسعار وشفافية السوق.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية، وجدت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، نفسها في مواجهة انتقادات متتالية من مختلف الفرق البرلمانية، تمحورت حول أوضاع الصيد التقليدي، وظروف اشتغال البحارة، واختلالات تسويق المنتوجات البحرية، إلى جانب المطالبة بإجراءات عملية لمعالجة الإكراهات التي يعرفها القطاع.
وأثارت نادية بزندفة، النائبة عن فريق الأصالة والمعاصرة، ملف بيع الأسماك خارج المسالك القانونية، معتبرة أن الكميات المصرح بها لا تعكس الحجم الحقيقي للإنتاج، في ظل استمرار تداول جزء من المنتوج السمكي بعيداً عن الموانئ وقنوات التسويق الرسمية. واعتبرت أن هذه الممارسات تضر بحقوق الدولة وتنعكس سلباً على شفافية السوق، داعية إلى تشديد المراقبة والحد من ظاهرة بيع الأسماك خارج الإطار القانوني.
كما طالبت النائبة البرلمانية بالإسراع في تحسين شروط السلامة المهنية لفائدة البحارة، متوقفة عند تأخر إخراج صفقة اقتناء سترات النجاة، خاصة بالنسبة لبحارة إقليم آسفي، معتبرة أن هذا التأخير يفاقم المخاطر التي تواجه العاملين في القطاع. ودعت أيضاً إلى اعتماد نظام تعاقدي يضمن للبحارة حقوقهم الاجتماعية، بما يشمل الاستفادة من الحماية الاجتماعية والتعويض عن فقدان الشغل.
من جهته، سلط عبد القادر الطاهر، النائب عن الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية، الضوء على الوضعية التي يعيشها ميناء أصيلة، مشيرا إلى تكرار الحوادث المميتة عند مدخل الميناء، الذي بات يعرف بين البحارة باسم "باب الموت".
واعتبر أن الأشغال التي عرفها الميناء لم تحقق الأهداف المرجوة، مطالباً بإطلاق عمليات دورية لجرف الرمال لتأمين الملاحة وضمان سلامة البحارة.
وأثار نائب عن فريق التجمع الوطني للأحرار بدوره الإكراهات التي تواجه بحارة قرية الصيادين بإمسوان، مبرزاً استمرار الخصاص في مستودعات حفظ المنتوج السمكي، الأمر الذي يدفع عدداً من المهنيين إلى عرض منتجاتهم في ظروف غير ملائمة، كما تساءل عن مآل مشاريع توسيع هذه البنيات وتأخر توزيع المحركات المخصصة للبحارة.
وفي السياق نفسه، انتقدت فاطمة الزهراء باتا، النائبة عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، طريقة تدبير القطاع، معتبرة أن صغار المهنيين لا يزالون يواجهون صعوبات كبيرة مقابل استفادة فاعلين كبار من مختلف أشكال الدعم، داعية إلى مراجعة آليات المواكبة وتوسيع الحماية الاجتماعية لفائدة البحارة التقليديين.
بدوره، وصف عبد الرحيم بوعزة، النائب عن فريق الأصالة والمعاصرة، أوضاع الصيادين التقليديين بإقليم شفشاون بالصعبة، مشيراً إلى أن فترات الراحة البيولوجية، رغم أهميتها في الحفاظ على الثروة السمكية، تؤثر بشكل مباشر على مصدر دخل البحارة، ما يستوجب البحث عن حلول اجتماعية تضمن استقرار أوضاعهم خلال تلك الفترات.
كما لفتت خديجة أروهال، النائبة عن فريق التقدم والاشتراكية، الانتباه إلى أوضاع الصيادين بالأرجل وجامعات الصدفيات والنساء العاملات داخل التعاونيات، مؤكدة أن هذه الفئات تواجه مخاطر مهنية متواصلة، في ظل غياب التأطير القانوني الكافي وضعف الإمكانات المتاحة، معتبرة أن دعم التعاونيات النسائية وتوفير التجهيزات اللازمة من شأنه أن يعزز التنمية المحلية ويحسن جودة الإنتاج.
وفي ردها على هذه الملاحظات، أكدت زكية الدريوش أن قطاع الصيد التقليدي سجل خلال سنة 2025 إنتاجاً بلغ نحو 102 ألف طن، بقيمة تجاوزت ثلاثة مليارات درهم، وهو ما يمثل 22 في المائة من القيمة الإجمالية للإنتاج الوطني، مع تسجيل ارتفاع بنسبة 66 في المائة مقارنة بسنة 2020.
وأضافت أن القطاع يضم حوالي 17 ألف قارب نشط ويوفر أكثر من 52 ألف منصب شغل مباشر، مشيرة إلى استمرار البرامج الحكومية الرامية إلى تطوير البنيات التحتية وتحسين ظروف العمل وتعزيز الحماية الاجتماعية.
وأوضحت كاتبة الدولة أن الوزارة تعمل على توسيع الطاقة الاستيعابية لمستودعات حفظ الأسماك بقرية الصيادين بإمسوان، بعدما أصبحت المرافق الحالية غير قادرة على استيعاب حجم النشاط.
كما كشفت عن تقدم برنامج تجهيز مجموعات ذات النفع الاقتصادي بغلاف مالي يقارب 90 مليون درهم، إلى جانب مواصلة المشاورات مع المهنيين لإرساء آلية للتعاقد بين مجهزي سفن الصيد والبحارة، مع استكمال أوراش تعميم التغطية الصحية والتأمين على حوادث الشغل ودعم التعاونيات، خاصة النسائية، بهدف تحسين ظروف الاشتغال وتعزيز تنافسية قطاع الصيد التقليدي.
ويأتي تصاعد النقاش البرلماني حول أوضاع الصيد التقليدي واختلالات تسويق الأسماك في ظرفية تتزايد فيها المطالب باتخاذ إجراءات أكثر صرامة للحد من تعدد الوسطاء وضبط مسالك التوزيع، في ظل استمرار الجدل بشأن ارتفاع أسعار الأسماك وتأثيرها على القدرة الشرائية للمواطنين.
ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يتزايد الضغط على الحكومة لتقديم حلول عملية تعزز شفافية السوق، وتحسن أوضاع البحارة، وتنعكس بشكل مباشر على أسعار المنتوجات البحرية لفائدة المستهلكين.