تقرير يحذر من أزمة ثقة تهدد استدامة الحماية الاجتماعية 

الكاتب : عبد اللطيف حيدة

07 يوليو 2026 - 05:00
الخط :

حذر تقرير تحليلي حديث من أن ورش الحماية الاجتماعية في المغرب يواجه اختبارا حاسما قد يهدد استدامته المالية.

ولفت المصدر إلى أن هذه التهديدات ليست بسبب ضعف الموارد فقط، وإنما نتيجة أزمة ثقة متنامية دفعت أعدادا كبيرة من المنخرطين إلى الامتناع عن أداء اشتراكاتهم.

وأوضح التقرير أن هذا الأمر ينذر بدخول المنظومة في دوامة "عجز مالي مزمن" قد يقوض أحد أكبر المشاريع الاجتماعية التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.

وكشف تقرير صادر عن المعهد المغربي لتحليل السياسات، بعنوان "هل نجح المغرب في تعميم الحماية الاجتماعية؟"، أن التحدي الأخطر الذي يواجه ورش الحماية الاجتماعية يتمثل في ضعف استخلاص اشتراكات المنخرطين لفائدة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

واعتبر أن استمرار هذا الوضع يهدد التوازن المالي لمنظومة التأمين الإجباري عن المرض، رغم التحسن الذي سجلته بعض الموارد التضامنية الأخرى.

وأوضح التقرير، الذي أعده الباحث عبد الرفيع زعنون، أن رفض عدد كبير من المسجلين أداء مساهماتهم يعود، بالأساس، إلى اعتراضهم على الطريقة المعتمدة في احتساب قيمة الاشتراكات، وهو ما خلق حالة من فقدان الثقة في المنظومة وأثر بشكل مباشر على قدرتها التمويلية.

حجم الاختلال

ورغم أن نسبة تحصيل اشتراكات نظام "أمو الشامل" ارتفعت إلى نحو 80 في المائة، فإن التقرير أشار إلى أن الوضع يختلف بالنسبة لنظام "أمو" الخاص بغير الأجراء، حيث لا تزال نسبة المبالغ غير المستخلصة تبلغ حوالي 60 في المائة من إجمالي الاشتراكات المستحقة.

واعتبر التقرير أن هذا المستوى المرتفع من الامتناع عن الأداء يضع النظام أمام خطر عجز مالي دائم، لأن قاعدة التمويل الأساسية القائمة على مساهمة المنخرطين أصبحت مهددة، في وقت تتواصل فيه كلفة الخدمات الصحية في الارتفاع.

وتكشف الأرقام الواردة في التقرير حجم الإشكال المالي الذي يواجه المشروع؛ إذ بلغت قيمة الاشتراكات غير المحصلة في أنظمة التغطية الصحية المساهماتية ما يقارب ستة مليارات درهم، من أصل مستحقات تناهز 10.3 مليارات درهم، بما يعني ضياع نحو 58 في المائة من الموارد المفترض تحصيلها.

ويرى التقرير أن هذا الخلل يضرب أحد المبادئ الأساسية التي قام عليها مشروع تعميم الحماية الاجتماعية، والمتمثل في تحقيق التوازن بين الموارد المالية والاشتراكات من جهة، والنفقات والخدمات الصحية من جهة أخرى.

حل مؤقت ومخاطر طويلة الأمد

وفي مواجهة هذا الخصاص المالي، أكد التقرير أن الحكومة اضطرت إلى اللجوء للاقتراض الخارجي من البنك الدولي من أجل ضمان استمرار تمويل الورش.

وأوضح أن قيمة القروض المخصصة للحماية الاجتماعية بلغت نحو 2.2 مليار دولار منذ إطلاق المشروع سنة 2022 إلى غاية يونيو 2025، من بينها قرض بقيمة 250 مليون دولار خُصص لتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي.

غير أن التقرير حذر من أن الاعتماد المتزايد على التمويل الخارجي قد يحمل انعكاسات ثقيلة على المالية العمومية، إذ سيؤدي تراكم أقساط الديون وفوائدها إلى توسيع دائرة المديونية، بما قد يحد مستقبلا من قدرة الدولة على تمويل البرامج الاجتماعية من مواردها الذاتية.

كما اعتبر أن استمرار تغطية عجز الاشتراكات عبر القروض الخارجية يكرس، بحسب توصيف التقرير، توجها يقوم على تعميق الاعتماد على المقاربات النيوليبرالية في تدبير السياسات الاجتماعية، سواء على مستوى تصميم البرامج أو آليات تمويلها.

ولم يقف التقرير عند الجانب المالي، بل وسع دائرة الانتقاد لتشمل منظومة الاستهداف الاجتماعي المعتمدة في توزيع الدعم، معتبرا أن البيئة الرقمية التي تعتمدها الدولة تقوم على خوارزميات تميل إلى الإقصاء أكثر من تحقيق الشمول.

وأشار إلى أن اعتماد معايير تقنية جامدة يثير تساؤلات حول مدى قدرتها على عكس الواقع الاجتماعي الحقيقي للأسر المغربية، خصوصا في ظل تزايد شكاوى المواطنين من رفض طلبات الاستفادة أو سحب الدعم رغم استمرار أوضاعهم الهشة.

وسجل التقرير أن غياب التحيين المستمر للمعايير المعتمدة في تنقيط الأسر يؤدي، في كثير من الحالات، إلى إسقاط الدعم بشكل آلي بمجرد تغير أحد المؤشرات الرقمية، دون مراعاة الوضعية الاجتماعية الفعلية للأسرة، وهو ما يفضي إلى حرمان فئات تعيش الفقر والهشاشة من الاستفادة من الإعانات.

ويخلص التقرير إلى أن نجاح ورش الحماية الاجتماعية لن يرتبط فقط بتوسيع قاعدة المستفيدين، بل يتوقف أيضا على استعادة ثقة المواطنين في المنظومة، وضمان عدالة آليات الاستهداف، وتحقيق توازن مالي مستدام يحمي المشروع من مخاطر العجز والارتهان المتزايد للتمويل الخارجي

 

آخر الأخبار