توتر بين واشنطن ومدريد يثير التساؤلات.. هل يتجه الاقتصاد الأمريكي أكثر نحو المغرب؟
شهدت العلاقات المغربية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة دينامية متسارعة عززت موقع المملكة كشريك استراتيجي للولايات المتحدة في شمال إفريقيا، في ظل تقارب متنامٍ في الرؤى بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية، وتوسع التعاون ليشمل مجالات الدفاع والأمن والاستثمار والتجارة.
وأفرز هذا المسار شراكة متعددة الأبعاد، تقوم على التنسيق السياسي والعسكري والاقتصادي، بما يعكس المكانة التي بات يحتلها المغرب ضمن أولويات السياسة الأمريكية في المنطقة.
ولم يقتصر هذا التقارب على التعاون الأمني والعسكري، الذي تعزز من خلال تكثيف المناورات المشتركة وتبادل الخبرات في مواجهة التهديدات الأمنية والتنظيمات المتطرفة، بل امتد إلى المجال الاقتصادي، حيث كثفت واشنطن جهودها لتوسيع حضور شركاتها داخل السوق المغربية، مستفيدة من الاستقرار الذي تتمتع به المملكة، وموقعها الاستراتيجي كبوابة نحو الأسواق الإفريقية، فضلاً عن الإصلاحات الاقتصادية التي عززت جاذبية مناخ الأعمال والاستثمار.
وفي هذا السياق، أفادت تقارير إعلامية إسبانية، من بينها صحيفة Vozpópuli، بأن مؤشرات التجارة الخارجية تعكس بوضوح تنامي الشراكة الاقتصادية بين الرباط وواشنطن، مقابل تسجيل فتور نسبي في المبادلات التجارية بين الولايات المتحدة وإسبانيا، وهو ما اعتبرته الصحيفة دليلاً على التحول الذي تعرفه أولويات الإدارة الأمريكية في المنطقة.
وأوضحت الصحيفة أن عددا من الملفات الخلافية بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحكومة بيدرو سانشيز ألقى بظلاله على مسار التعاون الثنائي، وهو ما انعكس، بحسبها، على المبادلات التجارية بين البلدين، بالتزامن مع تنامي الحضور الاقتصادي الأمريكي في المغرب.
وبحسب المعطيات الرسمية الأمريكية التي استندت إليها الصحيفة، بلغت قيمة الصادرات الأمريكية إلى المغرب خلال الفترة الممتدة من يناير إلى ماي 2026 نحو 2.745 مليار دولار، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله خلال هذه الفترة منذ خمس سنوات. كما تمثل هذه القيمة زيادة تجاوزت 73 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2022، عندما بلغت الصادرات الأمريكية نحو 1.585 مليار دولار، في مؤشر يعكس الارتفاع المتواصل للمبادلات التجارية بين البلدين.
وأضافت الصحيفة أن هذا المنحى لا يقتصر على الأشهر الأولى من السنة، بل تؤكده البيانات السنوية، إذ ارتفعت الصادرات الأمريكية إلى المغرب من 3.680 مليارات دولار سنة 2022 إلى 5.529 مليارات دولار سنة 2025، مسجلة نموا يقارب 50 في المائة خلال أربع سنوات، وهو ما يعكس توسع حضور الشركات الأمريكية في السوق المغربية وتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.
وفي المقابل، أظهرت البيانات نفسها، وفق ما أوردته Vozpópuli، أن الصادرات الأمريكية إلى إسبانيا سجلت تراجعا خلال الفترة الممتدة من يناير إلى ماي، بعدما انخفضت من 11.493 مليار دولار سنة 2022 إلى 10.243 مليارات دولار سنة 2026، أي بتراجع بلغت نسبته 10.9 في المائة. كما ظلت المبادلات السنوية بين البلدين شبه مستقرة، إذ انتقلت الصادرات الأمريكية إلى إسبانيا من 26.863 مليار دولار سنة 2022 إلى 26.572 مليار دولار سنة 2025، دون تسجيل النمو الذي عرفته السوق المغربية.
ورأت التقارير الإسبانية أن هذه المؤشرات الاقتصادية تأتي بالتوازي مع توجه أمريكي واضح نحو تعزيز الشراكة مع المغرب، سواء على المستوى التجاري أو الاستراتيجي، مشيرة إلى أن تقريرا صادرا عن وزارة الخارجية الأمريكية أبرز أن حكومتي البلدين تواصلان العمل بشكل وثيق من أجل الرفع من حجم التجارة والاستثمارات، من خلال مشاورات رفيعة المستوى تهدف إلى تعريف الشركات الأمريكية بالفرص الاستثمارية التي يوفرها المغرب في قطاعات متعددة.
كما سلطت التقارير الضوء على الدور الذي يضطلع به السفير الأمريكي بالمغرب ديوك بوكان في دعم هذا التوجه، مبرزة أن خبرته السابقة سفيرا لبلاده في إسبانيا، إلى جانب تجربته في قطاع الاستثمار، مكنته من الإسهام في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الرباط وواشنطن. واستحضرت في هذا الإطار إشادته، خلال مشاركته في قمة GITEX Africa 2026 بمدينة مراكش، بالرؤية التي يقودها الملك محمد السادس، معتبرا أن المغرب أضحى نموذجا للاستقرار والتحديث والطموح الاقتصادي على مستوى القارة الإفريقية.
وأشارت التقارير الإعلامية الإسبانية إلى أن تنامي الحضور الأمريكي في المغرب يتجاوز المؤشرات التجارية، ليعكس توجها استراتيجيا أوسع يقوم على توثيق العلاقات مع المملكة في مختلف المجالات، خصوصا في ظل التقارب المتزايد بين البلدين بشأن ملفات الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، وتشجيع الاستثمار، بما يعزز مكانة المغرب باعتباره أحد أبرز شركاء الولايات المتحدة في المنطقة.
وفي المقابل، ربطت Vozpópuli هذا التحول بالسياق السياسي الذي يطبع العلاقات بين واشنطن ومدريد خلال السنوات الأخيرة، معتبرة أن المؤشرات الاقتصادية والتجارية تعكس تصاعد الثقة الأمريكية في الشراكة مع المغرب، في وقت تعرف فيه العلاقات الأمريكية الإسبانية نقاشات سياسية وتجارية متواصلة.
وتخلص التقارير الإعلامية الإسبانية، وفي مقدمتها صحيفة Vozpópuli، إلى أن المغرب يواصل ترسيخ مكانته كوجهة مفضلة للاستثمارات والشركات الأمريكية، مستفيدا من استقراره السياسي، وموقعه الجغرافي، وتنامي شراكته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وهو ما ينعكس بشكل واضح على مؤشرات المبادلات التجارية، ويؤكد التحول الذي تشهده العلاقات الاقتصادية بين الرباط وواشنطن خلال السنوات الأخيرة.