أزمة سبتة تقترب من الانفراج.. عودة 70 ألف شخص ورصد 25 مليون أورو لدعم القاصرين
لا تزال السلطات الإسبانية تواصل تنفيذ عمليات ترحيل المهاجرين غير النظاميين الذين وصلوا إلى مدينة سبتة المحتلة خلال موجة العبور الجماعي الأخيرة، في وقت دخلت فيه الأزمة مرحلة جديدة عنوانها تدبير تداعيات الضغط غير المسبوق على مرافق الاستقبال والإيواء، بالتوازي مع تحركات حكومية وأوروبية لاحتواء انعكاسات واحدة من أكبر موجات الهجرة التي عرفتها المدينة خلال السنوات الأخيرة، وسط استمرار الجدل السياسي بشأن سبل التعامل مع الملف وتعزيز أمن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
ومع انحسار عمليات العبور الجماعي، باشرت السلطات الإسبانية تفعيل مختلف المساطر القانونية الخاصة بإعادة المهاجرين إلى بلدانهم، مع مواصلة مراجعة الإجراءات الأمنية والإدارية التي رافقت الأزمة، بعدما وجدت المؤسسات المكلفة باستقبال الوافدين نفسها أمام ضغط استثنائي فاق قدراتها الاستيعابية.
كما تواصل السلطات المختصة تدبير أوضاع المهاجرين الذين ما زالت ملفاتهم قيد الدراسة، في ظل تحديات متزايدة تفرضها الأعداد الكبيرة التي وصلت إلى المدينة خلال فترة زمنية وجيزة.
وفي هذا السياق، أعلن وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، أن المعطيات الرسمية تشير إلى دخول نحو 72 ألف مهاجر إلى مدينة سبتة بطريقة غير نظامية انطلاقاً من المغرب، موضحاً أن قرابة 70 ألف شخص عادوا بالفعل إلى المغرب، فيما لا تزال الإجراءات القانونية والإدارية متواصلة بشأن الحالات المتبقية، بالتزامن مع استمرار تقييم مختلف أبعاد الأزمة.
وجاءت تصريحات المسؤول الإسباني عقب مشاركته في الاجتماع الاستثنائي لوزراء داخلية دول الاتحاد الأوروبي، الذي انعقد عبر تقنية الاتصال المرئي لبحث مستجدات الوضع في سبتة وتداعياته على أمن الحدود الأوروبية، حيث أكد أن الوزراء اعتبروا أن الإجراءات التي اتخذتها مدريد أسهمت في احتواء الأزمة، مشيراً إلى أن ما شهدته المدينة لم يؤثر على سلامة فضاء شنغن أو على منظومة حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وشدد مارلاسكا على أن الأجهزة الأمنية الإسبانية لم تكن تتوفر، قبل اندلاع الأزمة، على أي مؤشرات استخباراتية أو معطيات ميدانية تنذر بإمكانية وقوع تدفق جماعي بهذا الحجم، معتبراً أن الأحداث شكلت تحدياً استثنائياً استدعى تعبئة مختلف المؤسسات الأمنية والإدارية للتعامل مع الوضع في ظرف وجيز.
وفي موازاة ذلك، أعلنت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة والناطقة باسم الحكومة الإسبانية، إلما سايث، تخصيص اعتماد مالي استثنائي بقيمة 25 مليون يورو لفائدة مدينة سبتة، بهدف دعم عمليات التكفل بالقاصرين غير المرفوقين الذين وصلوا خلال موجة الهجرة الأخيرة، مؤكدة أن هذا القرار يأتي استجابة للضغط الكبير الذي تعيشه مؤسسات الرعاية والإيواء.
ويضاف هذا الغلاف المالي إلى 5.5 ملايين يورو كانت المدينة قد حصلت عليها في وقت سابق ضمن برنامج وطني لتوزيع 35 مليون يورو على مختلف الأقاليم، في إطار تعزيز قدرات مؤسسات رعاية الأطفال والقاصرين.
كما دعت الحكومة الإسبانية جميع الأقاليم، بما فيها تلك التي يديرها حزب الشعب المعارض، إلى الانخراط في جهود تقاسم أعباء استقبال القاصرين، بعدما تجاوزت نسبة الاكتظاظ داخل بعض مراكز الإيواء مستويات غير مسبوقة بلغت 2872 في المائة من طاقتها الاستيعابية.
وفي السياق ذاته، تتسارع المشاورات داخل إسبانيا لتفعيل آلية إعادة توزيع القاصرين غير المرفوقين بين مختلف الأقاليم وفق مقتضيات قانون الأجانب، في وقت يتواصل فيه الجدل السياسي بين الحكومة المركزية وعدد من الحكومات الجهوية التي تؤكد أن مراكز الرعاية التابعة لها بلغت حدودها القصوى، محذرة من تداعيات أي عمليات استقبال إضافية دون توفير الموارد المالية والبشرية اللازمة.
ومن جانبه، أعلن المتحدث باسم حكومة سبتة، أليخاندرو راميريز، أن السلطات المحلية شرعت في تهيئة مركزين جديدين للإيواء بمنطقتي "لوما مارغاريتا" والميناء، بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 500 شخص، بهدف التخفيف من حدة الاكتظاظ الذي تعرفه المراكز الحالية، مؤكداً أن المدينة تتولى حالياً رعاية ما يقارب ألف قاصر غير مرفوق، مع استمرار صعوبة تحديد العدد النهائي بسبب تنقل عدد منهم خارج مؤسسات الإيواء.
وأوضح راميريز أن الأولوية خلال المرحلة الراهنة تتمثل في استعادة الاستقرار الكامل داخل المدينة، وتعزيز الموارد الأمنية واللوجستية، إلى جانب تعبئة دعم أوروبي إضافي لمواجهة الضغوط المتزايدة التي تعرفها الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن الأزمة تجاوزت بعدها المحلي وأصبحت تفرض تنسيقاً أوسع بين مختلف المؤسسات الإسبانية والأوروبية.
وفي المقابل، تؤكد السلطات المغربية أن تعاملها مع هذه التطورات جرى وفق مقاربة استباقية ومسؤولة، مبرزة أنها واصلت تعبئة مختلف أجهزتها الأمنية والعسكرية لمنع تفاقم الوضع وإحكام مراقبة الحدود، مع الاستمرار في التنسيق مع الجانب الإسباني في إطار التعاون الثنائي لمكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر.
وأكد مصدر حكومي، يوم أمس الإثنين بالرباط، أن المملكة المغربية تواصل الاضطلاع بدورها كشريك مسؤول وموثوق في تدبير ملف الهجرة، مشدداً على أن هذا الالتزام ينبع من قناعة راسخة بأن مواجهة الظاهرة تظل مسؤولية مشتركة، وأن المغرب لم يتعامل يوماً مع هذا الملف بمنطق الضغوط أو الإملاءات، بل انطلاقاً من التزامه الثابت بحماية أمنه الوطني وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
واستناداً إلى المعطيات الرسمية، تمكنت السلطات المغربية من إحباط 79 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال سنة 2024، و74 ألف محاولة خلال سنة 2025، أي ما مجموعه نحو 160 ألف محاولة خلال عامين، فضلاً عن تفكيك 632 شبكة متخصصة في تنظيم الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، وتنفيذ أكثر من 32 ألف عملية إنقاذ في عرض البحر، فيما تجاوز عدد محاولات الهجرة التي أُحبطت خلال السنوات الخمس الماضية 360 ألف محاولة.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب المعطيات الرسمية، حجم الإمكانات البشرية والتقنية والمالية التي سخرتها المملكة لمواجهة شبكات الهجرة غير النظامية، في وقت يواصل فيه التعاون الأمني المغربي الإسباني أداء دور محوري في الحد من الضغوط التي تعرفها الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط، وسط قناعة متزايدة لدى الجانبين بأن مواجهة هذه الظاهرة العابرة للحدود تقتضي تنسيقاً دائماً وشراكة متواصلة تقوم على تقاسم المسؤوليات وتعزيز آليات العمل المشترك.