تفاوتات الحاويات تكشف اختلالات النظافة.. خلل العدالة المجالية يفجر جدلا بالبيضاء
لا تزال إشكالات تدبير قطاع النظافة بمدينة الدار البيضاء تفرض نفسها بقوة في واجهة النقاش العمومي، مع بداية تنزيل العقود الجديدة للتدبير المفوض، حيث برزت على أرض الواقع مؤشرات واضحة على وجود تفاوتات ميدانية في توزيع الموارد والتجهيزات، خاصة ما يتعلق بوضع الحاويات الجديدة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على انتظام خدمات جمع النفايات وأثار موجة من التساؤلات حول مدى نجاعة الصيغة الجديدة في تحقيق العدالة المجالية المنشودة.
وتشير المعطيات المتوفرة للجريدة 24 إلى أن عددا من المقاطعات الست عشرة لم تستفد بالشكل المتكافئ من عملية توزيع الحاويات الجديدة، في وقت حظيت فيه بعض المناطق بنصيب وافر من هذه التجهيزات، بينما لا تزال أحياء أخرى تعاني خصاصا واضحا، خصوصا بمناطق مولاي رشيد وسيدي مومن والحي الحسني والحي المحمدي، حيث يشتكي السكان من استمرار الاعتماد على حاويات قديمة أو غيابها في بعض النقاط، ما يفاقم من مظاهر تراكم النفايات ويؤثر سلبا على جودة العيش.
هذا التفاوت في التوزيع أعاد إلى الواجهة نقاش العدالة المجالية في تدبير المرافق العمومية، وأشعل انتقادات حادة داخل المجالس المنتخبة، حيث عبر عدد من المستشارين المنتمين إلى صفوف المعارضة عن استيائهم من الطريقة التي يتم بها تنزيل العقود الجديدة، معتبرين أن السياسة المعتمدة من طرف الشركات المفوض لها لا تعكس توازنا في الاستفادة بين مختلف الأحياء، رغم الارتفاع الملحوظ في ميزانية القطاع مقارنة بالعقود السابقة.
وفي مقابل هذه الانتقادات، تؤكد مصادر الجريدة 24 أن المرحلة الحالية تندرج ضمن فترة انتقالية تعرف بعض الاضطرابات الطبيعية المرتبطة بإعادة هيكلة منظومة التدبير، مشيرة إلى أن الشركات المعنية شرعت بالفعل في رفع وتيرة تدخلاتها وتعزيز حضورها الميداني، في محاولة لتدارك الاختلالات المسجلة وتحسين مستوى الخدمات في أقرب الآجال.
وفي هذا السياق، برزت بعض المبادرات المحلية التي تسعى إلى تحسين الوضع بشكل ملموس، من بينها العملية التي أشرف عليها توفيق كميل، رئيس مجلس مقاطعة سباتة، والتي همت وضع أسطول من الحاويات الجديدة بشارع الداخلة، وذلك في إطار مواكبة أشغال التهيئة الشاملة التي شهدها الشارع خلال الفترة الأخيرة، والتي شملت تجديد شبكات التطهير السائل والماء الصالح للشرب، وإعادة تزفيت الطريق، وتعزيز التشوير الطرقي وفق معايير تقنية حديثة.
وتندرج هذه الخطوة ضمن مقاربة تروم تحسين جودة الفضاءات العمومية وتوفير تجهيزات ملائمة لتدبير النفايات، بما يساهم في الرفع من مستوى النظافة والحفاظ على جمالية المدينة، خاصة في المحاور التي تعرف كثافة مرورية وسكانية مهمة، كما تعكس رغبة في تقديم نماذج ناجحة يمكن تعميمها على باقي المقاطعات.
وفي سياق متصل، كان والي جهة الدار البيضاء-سطات، محمد امهيدية، قد دخل على خط هذا الملف من خلال توجيه تعليمات صارمة إلى الشركات المفوض لها، تقضي بالإسراع في تعزيز أساطيلها من الشاحنات والمعدات والموارد البشرية، مع التركيز على الرفع من سرعة الاستجابة لمختلف التدخلات، خاصة في الأحياء التي تعرف ضغطا كبيرا وتزايدا في حجم النفايات.
كما حدد الوالي مهلة زمنية لا تتجاوز أسبوعا واحدا لتحقيق تحسن ملموس في مستوى النظافة، مع التشديد على ضرورة الالتزام الصارم ببنود دفاتر التحملات، بما يضمن تقديم خدمات تستجيب لتطلعات سكان العاصمة الاقتصادية وتعكس مستوى أفضل من الحكامة في تدبير هذا القطاع الحيوي.
وأفادت المعطيات ذاتها بأن هذه التوجيهات أسهمت في رفع وتيرة التدخلات الميدانية خلال الأيام الأخيرة، حيث كثفت الشركات عمليات جمع النفايات ومعالجة النقط السوداء، مع تعزيز عدد الفرق العاملة وتوسيع نطاق التغطية، غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا تزال في حاجة إلى مزيد من التنسيق والنجاعة لضمان استدامة التحسن المسجل.
وفي ظل استمرار هذه التحديات، يظل ملف تفاوتات وضع الحاويات الجديدة أحد أبرز الاختبارات الحقيقية لنجاح منظومة التدبير المفوض في صيغتها الجديدة، خاصة أن الرهان لم يعد يقتصر على تحسين المظهر العام للمدينة، بل يتجاوز ذلك إلى ترسيخ مبادئ العدالة المجالية وضمان استفادة متكافئة لجميع الأحياء من خدمات النظافة، بما يعكس صورة مدينة بحجم الدار البيضاء وتطلعات ساكنتها إلى بيئة حضرية أكثر تنظيما وجودة.