الحكومة تكشف أولويات مالية 2027... نمو بـ4.1% وإصلاحات كبرى في الأفق

الكاتب : الجريدة24

05 August 2026 - 08:00
الخط :

حددت الحكومة ملامح المرحلة الاقتصادية والمالية المقبلة، بعدما كشفت المذكرة التوجيهية الخاصة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 عن رؤية متكاملة تراهن على الحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي، وتعزيز الاستثمار، ومواصلة تنزيل أوراش الدولة الاجتماعية، مع الحرص في الوقت نفسه على صون التوازنات المالية وتقليص مستويات المديونية، في إطار مقاربة تعتبر أن مواصلة الإصلاحات الكبرى تشكل خيارا استراتيجيا يتجاوز الظرفية السياسية والاستحقاقات الانتخابية.

وجاءت المذكرة، التي وجهها رئيس الحكومة عزيز أخنوش، بموجب المنشور رقم 12/2026 المؤرخ في 5 غشت 2026، إلى الوزراء والوزراء المنتدبين وكتاب الدولة والمندوبين الساميين والمندوب العام، لتحدد التوجهات الكبرى التي ستؤطر مشروع قانون المالية المقبل، مؤكدة أن الانتخابات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر 2026 تمثل محطة ديمقراطية لتجديد المؤسسات المنتخبة، دون أن تؤثر في استمرارية الأوراش الاستراتيجية التي انخرطت فيها المملكة خلال السنوات الأخيرة.

وترتكز المذكرة على أربع أولويات أساسية تتمثل في توطيد المكتسبات الاقتصادية وتعزيز مكانة المغرب ضمن الاقتصادات الصاعدة، والتأهيل الشامل للمجالات الترابية وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية، ومواصلة ترسيخ أسس الدولة الاجتماعية، إلى جانب استكمال الإصلاحات الهيكلية الكبرى مع الحفاظ على توازنات المالية العمومية، وذلك انسجاما مع التوجيهات الملكية الداعية إلى إطلاق مرحلة جديدة من التنمية تقوم على تثمين المنجزات وتسريع الإصلاحات.

وتراهن الحكومة، وفق المؤشرات المضمنة في الوثيقة، على تحقيق معدل نمو اقتصادي يبلغ 4.1 في المائة خلال سنة 2027، بعدما يرتقب أن يصل النمو خلال سنة 2026 إلى 5.3 في المائة، مدعوما بارتفاع القيمة المضافة للقطاع الفلاحي بنسبة 15.1 في المائة، إلى جانب استمرار أداء القطاعات غير الفلاحية التي ينتظر أن تحقق نموا في حدود 4.2 في المائة، وهو ما يعكس استمرار الدينامية الاقتصادية التي عرفتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.

وفي الجانب المتعلق بالمالية العمومية، تستهدف الحكومة تقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مع خفض نسبة المديونية العمومية إلى حوالي 65 في المائة خلال سنة 2027، على أن تواصل منحاها التنازلي لتستقر في حدود 63 في المائة في أفق سنة 2029.

كما أبرزت المذكرة التحسن المسجل في المؤشرات المالية، بعدما انخفض عجز الميزانية من 7.1 في المائة سنة 2020 إلى 3.5 في المائة سنة 2025، فيما ارتفعت الموارد العادية للدولة من 256.2 مليار درهم سنة 2021 إلى 424.2 مليار درهم سنة 2025، بزيادة إجمالية بلغت 168 مليار درهم.

وتضع الحكومة الاستثمار في البنيات التحتية ضمن أبرز روافع الإقلاع الاقتصادي، من خلال مواصلة إنجاز مشاريع استراتيجية تشمل الطريق السيار القاري الرابط بين الرباط والدار البيضاء، والطريق السيار بين جرسيف وميناء الناظور غرب المتوسط، والطريق السريع عين عودة-وادي زم، إلى جانب ربط ميناء الناظور غرب المتوسط بالشبكة الوطنية للطرق. كما أشارت المذكرة إلى أن شبكة الطرق السيارة بالمملكة تمتد حاليا على حوالي 1800 كيلومتر، وتضم ما يقارب 1750 منشأة فنية.

وفي قطاع النقل السككي، يتواصل تنفيذ البرنامج الاستثماري الخاص بتمديد خط القطار فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش على طول 430 كيلومترا، مع إطلاق خدمات القطارات الجهوية بكل من جهات الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة ومراكش-آسفي، إضافة إلى إنشاء محطة سككية جديدة تربط مطار محمد الخامس بشبكة القطار فائق السرعة، بما يعزز تكامل مختلف وسائل النقل.

كما تستهدف الحكومة، في إطار استراتيجية "مطارات 2030"، رفع الطاقة الاستيعابية للمطارات الوطنية إلى 80 مليون مسافر سنويا بحلول سنة 2030، عبر مواصلة توسعة مطارات محمد الخامس ومراكش المنارة وفاس-سايس والمسيرة بأكادير وابن بطوطة بطنجة، بعد استكمال توسعة مطار الرباط-سلا. وبالتوازي مع ذلك، سيتواصل تنفيذ برنامج تطوير الخطوط الملكية المغربية لرفع أسطولها إلى 200 طائرة في أفق 2037، مع فتح أكثر من 100 وجهة دولية و46 خطا داخليا.

وفي المجال المينائي، تواصل الحكومة الاستثمار في ميناء الناظور غرب المتوسط، بالتوازي مع تسريع أشغال ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يعد أحد المشاريع الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز اندماج الأقاليم الجنوبية وتقوية الروابط الاقتصادية مع العمق الإفريقي، فضلا عن العمل على إحداث أسطول بحري وطني حديث لدعم المبادرة الملكية الأطلسية الموجهة لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي.

وخصصت المذكرة غلافا ماليا إجماليا يناهز 210 مليارات درهم لإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، يمتد على مدى ثماني سنوات، ويرتكز على إعداد برامج خاصة بكل عمالة وإقليم وفق مؤشرات ترتبط بالتشغيل والصحة والتعليم والبنيات الأساسية، مع إحداث لجان محلية وجهوية ووطنية لتتبع التنفيذ، إلى جانب إطلاق منصة رقمية تمكن المواطنين من تتبع تقدم المشاريع.

كما أعلنت الحكومة رفع التحويلات المالية الموجهة للجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من سنة 2027، بما يعزز استقلاليتها المالية ويمكنها من تمويل المشاريع التنموية ذات الأولوية، مع مواصلة تنفيذ برنامج إعادة إعمار وتأهيل المناطق المتضررة من زلزال الحوز، حيث بلغت مساهمات الصندوق الخاص بتدبير آثار الزلزال إلى غاية نهاية يونيو 2026 حوالي 8.02 مليارات درهم.

وأبرزت المذكرة أن 63 ألفا و786 أسرة استفادت من المساعدات الشهرية الاستعجالية بقيمة 2500 درهم شهريا، بغلاف إجمالي بلغ 2.52 مليار درهم، فيما حصلت 5751 أسرة على دعم إعادة البناء بقيمة 140 ألف درهم، واستفادت 52 ألفا و240 أسرة من إعانات تأهيل المساكن بقيمة 80 ألف درهم، فضلا عن تخصيص 3 مليارات درهم لدعم المناطق المتضررة من الفيضانات بشمال وشرق المملكة.

وفي الشق الاجتماعي، أكدت الحكومة أن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر يشمل حاليا حوالي 4 ملايين أسرة تضم أكثر من 5 ملايين طفل، بكلفة شهرية تصل إلى 2.2 مليار درهم، فيما تجاوزت التحويلات المالية الإجمالية منذ إطلاق البرنامج سنة 2023 ما مجموعه 64.2 مليار درهم، مع التوجه نحو الانتقال تدريجيا من منطق الدعم إلى منطق التمكين الاقتصادي والإدماج في سوق الشغل.

وعلى مستوى القطاع الصحي، ارتفعت نسبة التغطية الصحية إلى أكثر من 87 في المائة بعدما كانت لا تتجاوز 42 في المائة قبل إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية، بينما تستهدف مراجعة نظام تسعير الأدوية تقليص نفقات التأمين الإجباري عن المرض بحوالي ملياري درهم سنويا، وخفض المصاريف التي تتحملها الأسر بما يقارب 866 مليون درهم سنويا، مع مواصلة تأهيل 1600 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية، وإصلاح وتجديد 90 مستشفى، ورفع كثافة مهنيي الصحة إلى 45 مهنيا لكل عشرة آلاف نسمة في أفق سنة 2030.

أما في قطاع التربية والتكوين، فتواصل الحكومة تنزيل مشروع "مؤسسات الريادة"، حيث سيرتفع عدد المدارس الابتدائية المنخرطة فيه إلى 6562 مؤسسة خلال الموسم الدراسي 2026-2027، بما يمثل 80 في المائة من مجموع المدارس العمومية، مع توسيع المشروع ليشمل 1363 إعدادية، إضافة إلى استمرار تعميم التعليم الأولي الذي بلغت نسبة الالتحاق به حوالي 80 في المائة، فضلا عن مواصلة دعم أكثر من 3.2 ملايين تلميذة وتلميذ في إطار المبادرة الملكية "مليون محفظة".

كما أكدت المذكرة استمرار دعم أسعار غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني بغلاف مالي يبلغ 13.2 مليار درهم، مع تخصيص 3.9 مليارات درهم لاستكمال تنزيل مخرجات الحوار الاجتماعي، الذي رفعت بموجبه الحكومة متوسط الأجر الصافي الشهري في القطاع العام من 8237 درهما سنة 2021 إلى 10 آلاف و600 درهم سنة 2025، كما ارتفع الحد الأدنى الصافي للأجور من 3258 درهما إلى 4500 درهم.

وفي قطاع السكن، كشفت الحكومة أن برنامج الدعم المباشر مكن، إلى غاية 3 يوليوز 2026، من استفادة أكثر من 111 ألف أسرة، بغلاف مالي تجاوز 9.1 مليارات درهم، فيما ارتفع عدد المدن المعلن عنها بدون صفيح إلى 62 مدينة، مع تحسين ظروف عيش أكثر من 384 ألفا و818 أسرة بنسبة إنجاز بلغت 76 في المائة.

ولم تغفل المذكرة ملف الأمن المائي، إذ أكدت مواصلة إنجاز السدود ومشاريع تحلية مياه البحر بهدف بلوغ قدرة إنتاجية تصل إلى مليار و700 مليون متر مكعب سنويا في أفق سنة 2030، إلى جانب تعزيز مشاريع الربط بين الأحواض المائية، وتوسيع استعمال المياه المعالجة والطاقات المتجددة.

وفي الجانب الاقتصادي، تراهن الحكومة على مواصلة تعزيز السيادة الصناعية، بعدما بلغت الصادرات الصناعية حوالي 408 مليارات درهم سنة 2025، وارتفعت نسبة الإدماج المحلي إلى 70 في المائة في صناعة السيارات و40 في المائة في قطاع الطيران، مع تمديد برنامج دعم البحث والابتكار إلى غاية سنة 2028 بغلاف مالي يبلغ 900 مليون درهم، فضلا عن مواصلة تنفيذ برامج دعم الصادرات والاستثمار والسياحة والطاقة والهيدروجين الأخضر.

واختتم رئيس الحكومة مذكرته بدعوة مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية إلى اعتماد أقصى درجات الانضباط في إعداد ميزانياتها، عبر التحكم في النفقات وترشيد المصاريف المتعلقة بالمعدات والأسطول الإداري والسفر والاستقبالات، مع إعطاء الأولوية للمشاريع الملكية والمشاريع التي بلغت مراحل متقدمة من الإنجاز.

مطالبا بإيداع مقترحات الميزانية لدى مديرية الميزانية بوزارة الاقتصاد والمالية قبل 31 غشت 2026، تمهيدا لعقد اجتماعات البرمجة ما بين 7 و17 شتنبر، وإحالة مشروع قانون المالية لسنة 2027 على البرلمان داخل الآجال الدستورية، في خطوة تؤكد رهان الحكومة على مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية بالتوازي مع الحفاظ على استقرار المالية العمومية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

آخر الأخبار