لا تزال تداعيات موجة العبور الجماعي التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة في نهاية شهر يوليوز الماضي تلقي بظلالها على المشهد الأمني والقضائي والسياسي بإسبانيا، بعدما انتقلت السلطات من مرحلة احتواء التدفقات البشرية الطارئة إلى تدبير مرحلة ما بعد الأزمة، في ظل استمرار وجود أعداد كبيرة من المهاجرين داخل المدينة، وفتح تحقيقات قضائية وأمنية واسعة لتحديد ملابسات ما جرى، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من تجدد محاولات العبور خلال الأسابيع المقبلة بفعل استمرار تداول دعوات عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتواجه المؤسسات الإسبانية تحدياً مزدوجاً يتمثل في معالجة الملفات القانونية والإنسانية للمهاجرين الذين ما زالوا داخل سبتة، إلى جانب مواصلة التحقيق في الظروف التي رافقت واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي التي عرفها الثغر المحتل خلال السنوات الأخيرة. ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه مدريد إلى تجنب تكرار المشهد الذي وضع مرافق الاستقبال أمام ضغط غير مسبوق وأثار نقاشاً واسعاً حول آليات تدبير الحدود والهجرة غير النظامية.
ووفق المعطيات الرسمية المتوفرة، لا يزال نحو 2500 مهاجر داخل سبتة المحتلة بعد انقضاء ذروة الأزمة، وهو رقم يعكس حجم العبء الذي تتحمله السلطات المحلية، خاصة مع محدودية الطاقة الاستيعابية لمراكز الإيواء وارتفاع الطلب على الخدمات الأساسية، الأمر الذي دفع المصالح المختصة إلى تسريع عمليات دراسة الملفات بشكل فردي، مع الحرص على التمييز بين الأشخاص الذين قد تنطبق عليهم شروط الحماية الدولية وبين من ستشملهم إجراءات الإبعاد أو الترحيل وفق القوانين الإسبانية والأوروبية.
وباشرت الشرطة الوطنية الإسبانية، خلال الأيام الأخيرة، مرحلة جديدة من تدقيق الملفات، ترتكز على التحقق من هويات الوافدين وجمع بياناتهم الشخصية واستكمال المساطر القانونية المرتبطة بطلبات اللجوء، فضلاً عن تقييم الوضعية القانونية لكل حالة على حدة. وتسعى السلطات من خلال هذه الإجراءات إلى تخفيف الضغط على مراكز الإيواء وضمان معالجة الملفات وفق الضمانات القانونية المعمول بها، مع تسريع وتيرة البت فيها لتفادي استمرار حالة الاكتظاظ التي تعرفها المدينة.
وفي موازاة التدبير الإداري للأزمة، دخل القضاء الإسباني على خط الملف بشكل أكثر توسعاً، بعدما قررت المحكمة الوطنية الإسبانية تعميق التحقيقات المتعلقة بموجة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز. وطلبت القاضية ماريا تاردون من جهاز الحرس المدني تقديم معطيات دقيقة حول ما إذا كانت الأجهزة الأمنية قد توصلت، قبل وقوع الأحداث، بأي معلومات أو إنذارات استخباراتية تشير إلى احتمال تنفيذ عملية عبور جماعية نحو المدينة.
وشمل القرار القضائي مطالبة قيادة جهاز المعلومات بالحرس المدني بإعداد تقرير مفصل يتضمن مختلف المعطيات المتوفرة قبل اندلاع الأزمة، مع تحديد طبيعة المعلومات التي جرى تداولها داخل الأجهزة الأمنية، ومدى وجود مؤشرات مسبقة كانت تنذر بإمكانية حدوث تدفق جماعي لآلاف الأشخاص نحو الحدود الفاصلة مع سبتة المحتلة.
كما وسعت المحكمة نطاق طلباتها ليشمل تفاصيل العمليات الميدانية التي نفذتها وحدات الحرس المدني خلال فترة الأزمة، ولا سيما تدخلات الإنقاذ التي جرت في المياه الإقليمية الإسبانية، إضافة إلى المعطيات الشخصية الخاصة بالأشخاص الذين تم العثور عليهم أو إنقاذهم، بهدف تكوين صورة دقيقة عن مختلف مراحل التعامل الأمني مع الأحداث.
وامتدت التحقيقات القضائية أيضاً إلى ملف الضحايا الذين سقطوا خلال موجة العبور، إذ طلبت المحكمة تزويدها بمعلومات تتعلق بأسباب الوفاة وتواريخها، فضلاً عن بيانات التعريف الخاصة بالمتوفين، ومكان وجود الناجين الذين تمكنت المصالح الأمنية من تسجيل هوياتهم، في إطار مسعى قضائي يروم إعادة تركيب الوقائع بشكل شامل وتحديد جميع المسؤوليات المحتملة.
ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من مطالبة القاضية نفسها المفوضية العامة للأجانب والحدود التابعة للشرطة الوطنية الإسبانية بإعداد تقرير مستقل لتحديد ما إذا كانت موجة العبور الجماعي قد تمت في إطار تحرك منظم ومنسق تقوده شبكة أو مجموعة إجرامية، وهو المعطى الذي يشكل أحد المحاور الرئيسية للتحقيقات الجارية داخل المحكمة الوطنية.
وكانت المحكمة قد فتحت تحقيقاً أولياً عقب شكاية جنائية تقدمت بها منظمة "Iustitia Europa"، تضمنت اتهامات بارتكاب أفعال تمس أمن الدولة والأمة، إلى جانب تهم تتعلق بتسهيل الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر وتكوين تنظيم إجرامي والامتناع عن متابعة جرائم محتملة، وهي الاتهامات التي لا تزال تخضع للفحص القضائي دون أن تكون المحكمة قد حسمت بعد في مدى اختصاصها النهائي بالنظر في هذا الملف، بعدما طلبت رأي النيابة العامة قبل اتخاذ قرارها بشأن الجهة القضائية المختصة بمواصلة التحقيق.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه التحقيقات الأمنية والقضائية، عاد الفضاء الرقمي ليشكل مصدر قلق جديد للسلطات الإسبانية، بعدما بدأت صفحات ومجموعات إلكترونية مجهولة المصدر في إعادة نشر دعوات تحث الراغبين في الهجرة غير النظامية على التوجه نحو سبتة يوم 15 غشت، الأمر الذي أثار مخاوف من احتمال تكرار سيناريو نهاية يوليوز إذا ما نجحت هذه الدعوات في استقطاب أعداد كبيرة من الأشخاص.
وكشفت صحيفة "إلباييس" الإسبانية أنها رصدت مئات الرسائل المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً على "فيسبوك" و"واتساب"، تتضمن دعوات مباشرة للمشاركة في محاولة عبور جماعية جديدة، وهو ما دفع السلطات إلى رفع درجة اليقظة ومتابعة المحتوى الرقمي الذي قد يساهم في التحريض على الهجرة غير النظامية أو تنظيمها.
وأظهرت المعطيات التي أوردتها الصحيفة أنها تابعت خمس مجموعات على موقع "فيسبوك" تضم مجتمعة نحو 400 ألف عضو، إضافة إلى تسع مجموعات على تطبيق "واتساب" تضم مئات المشاركين، بينما توصل تحقيق أنجزته منصة التحقق الإسبانية "مالديتا" إلى رصد عشر مجموعات يصل مجموع أعضائها إلى 422 ألفاً و560 شخصاً، فضلاً عن مجموعات أصغر ومنشورات متفرقة على منصة "إنستغرام"، وهو ما يعكس اتساع نطاق تداول الدعوات عبر الفضاء الرقمي.
ومن بين أبرز هذه المجموعات، برزت صفحة على "فيسبوك" تحمل اسم "الهجرة من المغرب إلى سبتة المحتلة"، ويقارب عدد أعضائها 23 ألف شخص، بعدما ارتفع عدد المنضمين إليها بأكثر من ستة آلاف عضو خلال أسبوع واحد فقط، في مؤشر على حجم التفاعل الذي أثارته الدعوات المتداولة بين الراغبين في الهجرة.
كما ظهرت مجموعة جديدة على تطبيق "واتساب" تحمل اسم "الهجرة إلى سبتة ومليلية"، جرى إنشاؤها قبل أيام من انتشار الدعوات الأخيرة، وتداول المشاركون فيها تاريخ 15 غشت باعتباره موعداً للتحرك، بينما تضمنت الرسائل المنشورة عبارات مباشرة تدعو إلى التجمع في التاريخ المحدد، مع إعلان بعض المشاركين استعدادهم للتوجه إلى شمال المملكة انطلاقاً من مدن بعيدة، من بينها مراكش وأكادير.
وفي المقابل، أظهرت النقاشات المتداولة داخل بعض هذه المجموعات أصواتاً تدعو إلى عدم المجازفة، محذرة من المخاطر التي قد ترافق أي محاولة جديدة، خاصة بعد سقوط ضحايا وفقدان عدد من الشبان خلال موجة العبور السابقة، ومؤكدة أن السلطات المغربية والإسبانية عززت من مستوى التنسيق الأمني والمراقبة البحرية والبرية، بما يجعل أي محاولة جديدة أكثر صعوبة مقارنة بما جرى في نهاية شهر يوليوز.
وتعكس التطورات المتسارعة التي تعرفها سبتة المحتلة أن تداعيات موجة العبور الأخيرة لم تعد تقتصر على الجانب الأمني أو الإنساني فحسب، بل امتدت إلى مستويات قضائية ورقمية وسياسية، في وقت تواصل فيه المؤسسات الإسبانية العمل على احتواء آثار الأزمة، بينما تبقى الأنظار متجهة نحو مدى قدرة الإجراءات الأمنية والتحقيقات الجارية على الحد من أي محاولات جديدة قد تعيد المدينة إلى واجهة واحدة من أكثر ملفات الهجرة تعقيداً خلال المرحلة الحالية.