قبل انتخابات شتنبر.. هل تنجح حكومة أخنوش في رهان التقشف؟

الكاتب : انس شريد

06 August 2026 - 07:30
الخط :

مع اقتراب العد العكسي لانتهاء الولاية الحكومية الحالية، تدخل حكومة عزيز أخنوش مرحلة دقيقة عنوانها البحث عن هوامش مالية جديدة لضبط توازنات الميزانية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتقترب الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في شهر شتنبر.

وفي هذا السياق، اختارت السلطة التنفيذية توجيه رسائل واضحة إلى مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية مفادها أن المرحلة المقبلة ستخضع لمنطق الانضباط المالي وترشيد الإنفاق، في محاولة للحد من اتساع عجز الميزانية والحفاظ على استقرار المالية العمومية.

وتراهن الحكومة على مشروع قانون المالية لسنة 2027 باعتباره محطة مفصلية لإعادة ترتيب الأولويات، بعدما وجه رئيس الحكومة عزيز أخنوش منشوراً إلى الوزراء والوزراء المنتدبين وكتاب الدولة والمندوبين الساميين والمندوب العام، يدعو فيه إلى اعتماد مقاربة أكثر صرامة في إعداد الميزانيات، تقوم على عقلنة تدبير الموارد العمومية وربط النفقات بالإمكانات المالية الحقيقية للدولة، مع الحرص على تعزيز المداخيل وضمان استدامة التوازنات الماكرو اقتصادية والمالية.

ويعكس هذا التوجه، بحسب مضامين المنشور، رغبة الحكومة في الانتقال إلى مرحلة جديدة من تدبير الإنفاق العمومي، ترتكز على توجيه الاعتمادات المالية نحو البرامج والمشاريع ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي المباشر، مع اعتماد ترتيب واضح للأولويات، بما يسمح بتقليص النفقات غير الضرورية دون المساس بالالتزامات الأساسية للدولة أو المشاريع الاستراتيجية التي توجد في طور الإنجاز.

وفي ملف الموارد البشرية، شدد رئيس الحكومة على ضرورة التحكم في كتلة الأجور، عبر حصر إحداث المناصب المالية الجديدة في الحاجيات الفعلية والمبررة، وربطها بالأوراش الإصلاحية التي تلتزم الحكومة بتنفيذها وبضمان استمرارية وجودة الخدمات العمومية.

كما دعا إلى توظيف آليات حديثة في تدبير الموارد البشرية، تقوم على التكوين المستمر والتقييم وتحسين المردودية، مع إعطاء الأولوية لإعادة انتشار الموظفين بين الإدارات والمؤسسات العمومية لسد الخصاص قبل اللجوء إلى إحداث مناصب جديدة.

وامتدت إجراءات ترشيد الإنفاق إلى النفقات العادية، حيث دعا المنشور إلى التحكم في مصاريف المعدات ومختلف النفقات التشغيلية، مع التقليص من استهلاك الماء والكهرباء، والحد من كراء السيارات والمقرات الإدارية، وتقليص نفقات النقل والتنقل داخل المملكة وخارجها، إضافة إلى مراجعة مصاريف الفندقة والاستقبالات وتنظيم المؤتمرات والندوات والاحتفالات، في إطار تعزيز الحكامة الجيدة وترسيخ ثقافة التدبير الرشيد للمال العام.

ولم يقتصر التوجه الحكومي على الإدارات المركزية، بل شمل أيضاً المؤسسات والمقاولات العمومية، إذ دعا رئيس الحكومة إلى حصر إعانات التسيير في تغطية نفقات الموظفين والمصاريف الضرورية لسير المرافق العمومية، مع ربط تحويل هذه الإعانات بمستوى السيولة المالية المتوفرة لدى المؤسسات المستفيدة، بما يضمن ترشيد الدعم العمومي وتحسين النجاعة المالية.

وفي جانب الاستثمار، أكدت التوجيهات الحكومية ضرورة تحسين مردودية الإنفاق العمومي من خلال إعطاء الأولوية للمشاريع التي تنفذ تنفيذاً للتعليمات الملكية، أو تلك المندرجة ضمن الاتفاقيات الموقعة أمام الملك أو المبرمة مع المؤسسات الدولية والدول المانحة، مع التركيز على تسريع إنجاز المشاريع المفتوحة قبل إطلاق مشاريع جديدة قد تثقل كاهل الميزانية.

كما شدد المنشور على أن برمجة الاستثمارات الجديدة يجب أن تستند إلى القدرات الفعلية للقطاعات الحكومية على التنفيذ، مع مراعاة نسب الإنجاز المحققة خلال السنوات الماضية ومعدلات ترحيل الاعتمادات المالية، وذلك بهدف تفادي برمجة مشاريع تتجاوز الإمكانات الواقعية للإدارات، وضمان توجيه الموارد نحو مشاريع قابلة للتنفيذ وتحقيق الأثر التنموي المنتظر منها.

وفي السياق ذاته، دعا رئيس الحكومة إلى تعزيز التكامل بين القطاعات الحكومية والجماعات الترابية عند برمجة المشاريع، مع منح اهتمام خاص للمناطق القروية والجبلية ومناطق الواحات، بهدف تقليص الفوارق المجالية وتحقيق تنمية أكثر توازناً، إلى جانب ترشيد إعانات الاستثمار الموجهة للمؤسسات والمقاولات العمومية وربط صرفها بوتيرة تقدم الأشغال ومستوى السيولة المالية المتوفرة لديها.

وتضمنت التوجيهات الحكومية أيضاً التأكيد على ضرورة التسوية المسبقة للوضعية القانونية للعقارات المخصصة للمشاريع الاستثمارية قبل الشروع في تنفيذها، بما يحد من النزاعات والعراقيل التي تؤخر إنجاز المشاريع، فضلاً عن دعوة مختلف الإدارات إلى احترام التزامات الدولة في تنفيذ الأحكام القضائية، واعتماد حلول استباقية لتقليص المنازعات والانفتاح على الوسائل البديلة لتسوية النزاعات بما يحسن تدبير العقود العمومية ويخفض الكلفة المالية المترتبة عنها.

وفي إطار مواصلة سياسة التقشف، نص المنشور على التقليص إلى أقصى الحدود من اقتناء السيارات الجديدة وبناء وتهيئة وتجهيز المقرات الإدارية، مع قصر هذه العمليات على الحالات التي تفرضها الضرورة الفعلية، وربط أي برمجة مستقبلية بالحاجيات الحقيقية للإدارات، في خطوة تعكس توجهاً نحو ضبط النفقات ذات الطابع التسييري.

وأكد رئيس الحكومة أن هذه التوجيهات لا تهم الميزانية العامة للدولة فقط، وإنما تمتد إلى مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة والحسابات الخصوصية للخزينة والمؤسسات العمومية، مع التشديد على ضرورة تحقيق توازن بين التمويل العمومي والموارد الذاتية لهذه الهيئات، بما يعزز استدامة المالية العمومية ويرفع من فعالية تدخل الدولة في تمويل المشاريع ذات الأولوية.

وتأتي هذه الإجراءات في ظرفية تتزايد فيها المطالب بترشيد الإنفاق العمومي وتعزيز الشفافية في تدبير المال العام، خاصة مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية وما يرافقها من نقاش سياسي حول حصيلة الأداء المالي للحكومة ومدى قدرتها على التحكم في عجز الميزانية والحفاظ على التوازنات الاقتصادية.

وفي المقابل، تواصل مكونات المعارضة البرلمانية إثارة ملف النفقات العمومية، مطالبة بالكشف عن تفاصيل دقيقة وإحصائيات واضحة تتعلق بمصاريف النقل والتنقلات والمؤتمرات والوفود الرسمية والتعويضات المرتبطة بها.

وترى أحزاب المعارضة أن الاكتفاء بالإعلان عن إجراءات عامة لترشيد الإنفاق دون تقديم تقديرات مالية دقيقة حول حجم الوفر المتوقع وآليات مراقبة التنفيذ لا يكفي لإقناع الرأي العام.

معتبرة أن نجاح أي سياسة تقشفية يظل رهيناً بمدى تطبيقها على أرض الواقع وإخضاع مختلف أوجه الإنفاق العمومي لمعايير الشفافية والمحاسبة، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مشروع قانون المالية لسنة 2027 باعتباره الاختبار الأبرز لقدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين متطلبات الانضباط الميزانياتي والاستجابة للرهانات الاقتصادية والاجتماعية خلال المرحلة المقبلة.

آخر الأخبار