أرقام البطالة تشعل المواجهة قبل الانتخابات.. المعارضة تفتح النار على منهجية الحكومة

الكاتب : انس شريد

07 August 2026 - 06:30
الخط :

قبل أسابيع قليلة من إسدال الستار على الولاية الحكومية، عاد ملف البطالة إلى واجهة المشهد السياسي المغربي من بوابة الأرقام الرسمية، بعدما فجّر تراجع معدل البطالة إلى 9,5 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026 سجالا حادا حول الطريقة المعتمدة في احتساب المؤشر ومدى قدرتها على عكس حقيقة وضع سوق الشغل.

وبينما تقدم المندوبية السامية للتخطيط المعطيات الجديدة باعتبارها نتيجة لمنهجية إحصائية محدثة، اختارت المعارضة فتح جبهة سياسية جديدة، يقودها عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية بمجلس النواب، الذي اعتبر أن توقيت اعتماد المنهجية الجديدة يطرح علامات استفهام، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

ولم يعد النقاش محصورا في رقم 9,5 في المائة، بل انتقل إلى ما هو أبعد من ذلك، بعدما أظهرت المعطيات نفسها أن البطالة لا تزال مرتفعة بشكل لافت في صفوف الشباب والنساء وحاملي الشهادات، فيما تكشف المؤشرات المركبة عن وجود فئات واسعة تواجه إما صعوبة في الولوج إلى سوق الشغل أو تعاني من نقص في حجم العمل.

وفي خضم هذا النقاش، صعد عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية بمجلس النواب، من انتقاداته للحكومة، خلال مشاركته في برنامج "للحديث بقية" الذي بثته القناة الأولى مساء أمس الخميس، واضعا المعطيات الجديدة المتعلقة بمعدل البطالة في صلب مواجهة سياسية تتجاوز الرقم المعلن إلى الطريقة التي جرى اعتمادها في احتسابه والتوقيت الذي اختير للشروع في تطبيق المنهجية الجديدة للمندوبية السامية للتخطيط.

ويرى بووانو أن النقاش لا يتعلق بالتشكيك في المؤسسة الإحصائية أو في استقلاليتها، وإنما يرتبط أساسا بالمنهجية المعتمدة لقياس البطالة، معتبرا أن تغيير طريقة الاحتساب في هذه المرحلة من عمر الولاية الحكومية، وعلى مقربة من الاستحقاقات الانتخابية، كان يفترض أن يتم في بداية ولاية حكومية جديدة، وليس قبل أسابيع قليلة من نهايتها.

وفي ما يتعلق بالحلول الممكنة لمعالجة أزمة البطالة، يرى عبد الله بووانو أن تجاوز الوضع الحالي يقتضي الانتقال من التدابير الظرفية إلى مقاربة أكثر شمولاً، تقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز فعالية السياسات العمومية، إلى جانب مواجهة مظاهر الفساد والزبونية التي قد تحد من تكافؤ الفرص أمام الكفاءات، خصوصاً فئة الشباب.

كما يبرز دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة باعتباره أحد المداخل الأساسية لإنعاش سوق الشغل، بالنظر إلى قدرتها على خلق فرص عمل جديدة، شريطة توفير بيئة اقتصادية ملائمة تساعدها على الاستثمار والنمو والاستمرار.

وجاءت هذه المواقف في وقت كشفت فيه المندوبية السامية للتخطيط عن تراجع معدل البطالة بالمفهوم الضيق إلى 9,5 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، بعدما كان في حدود 10,8 في المائة خلال الفصل الأول من السنة نفسها، وهو انخفاض قدره 1,3 نقطة مئوية، تزامن مع تراجع عدد العاطلين عن العمل بـ132 ألف شخص.

وركز عبد الله بووانو على الفرق بين مفهوم البطالة بالمقاربة الجديدة وما كان معتمدا في السابق، معتبرا أن اعتماد التعريف الضيق يؤدي إلى استبعاد فئات من الأشخاص الذين يعيشون فعليا خارج سوق الشغل أو يجدون صعوبة في الاندماج فيه.

وبحسب المعطيات التي استند إليها بووانو، فإن اعتماد المفهوم السابق لاحتساب البطالة كان سيقود إلى نسب أعلى بكثير من الرقم الرسمي الجديد، إذ أشار إلى أن المعدل، وفق المنهجية السابقة، يصل إلى 14,7 في المائة، بينما كان سيبلغ 17,1 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، وهي أرقام قال إنها واردة ضمن المعطيات التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط نفسها.

وشدد رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية على أن ملاحظاته لا تستهدف المندوبية السامية للتخطيط كمؤسسة، ولا ترمي إلى الطعن في أرقامها من حيث المبدأ، وإنما تنصب على توقيت الانتقال إلى المنهجية الجديدة، معتبرا أن اعتمادها في منتصف الولاية الحكومية يفتح المجال أمام نقاش سياسي واسع، خصوصا أن البلاد مقبلة على استحقاقات انتخابية حاسمة.

كما استحضر بووانو أرقاما أخرى مرتبطة بالبطالة، مشيرا إلى أن والي بنك المغرب كان قد تحدث قبل فترة قصيرة عن معدل يصل إلى 13 في المائة، وهو ما اعتبره دليلا إضافيا على تعدد المؤشرات والطرق المعتمدة في قراءة وضعية سوق الشغل، وعلى الحاجة إلى توضيح أكبر للرأي العام بشأن الفوارق بين المفاهيم الإحصائية المختلفة.

ورغم حدة السجال السياسي، فإن المعطيات التفصيلية للمندوبية السامية للتخطيط تكشف أن انخفاض معدل البطالة على المستوى الوطني لا يعني اختفاء الاختلالات العميقة التي ما زالت تطبع سوق العمل المغربي، إذ بلغ المعدل 11,9 في المائة في الوسط الحضري مقابل 5,4 في المائة في الوسط القروي، بينما استقر عند 14,8 في المائة لدى النساء مقابل 8,1 في المائة لدى الرجال.

وتبدو الفوارق أكثر وضوحا عند الانتقال إلى الفئات العمرية، حيث ظلت الفئة التي تتراوح أعمار أفرادها بين 15 و24 سنة الأكثر تضررا من البطالة، بمعدل بلغ 27,2 في المائة، تليها الفئة العمرية الممتدة بين 25 و34 سنة بمعدل 14,5 في المائة، بما يؤكد أن صعوبة إدماج الشباب في سوق الشغل لا تزال واحدة من أكثر التحديات إلحاحا رغم التحسن المسجل في المعدل الإجمالي.

ولا تتوقف الصورة عند الفئات العمرية، بل تمتد كذلك إلى مستوى التكوين والشهادات، إذ بلغ معدل البطالة 16,7 في المائة لدى الحاصلين على الشهادات العليا، و16 في المائة لدى حاملي الشهادات المتوسطة، و11,4 في المائة لدى حاملي الشهادات الأساسية، في مقابل 3,8 في المائة فقط لدى الأشخاص الذين لا يتوفرون على أي شهادة.

وعلى الرغم من استمرار هذه التحديات، فقد سجلت مؤشرات البطالة تحسنا بين الفصلين الأول والثاني من سنة 2026، إذ انخفض المعدل الوطني بـ1,3 نقطة، بينما تراجع بـ1,6 نقطة في الوسط الحضري وبـ0,7 نقطة في الوسط القروي، كما انخفض المعدل لدى الرجال والنساء بالوتيرة نفسها.

وسجلت فئة الشباب بين 15 و24 سنة أكبر تراجع في معدل البطالة، بانخفاض بلغ نقطتين مئويتين، في حين تراجع المعدل بـ1,6 نقطة لدى الفئة العمرية الممتدة بين 25 و34 سنة، وهو ما يعكس تحسنا نسبيا خلال الفترة المدروسة، وإن كان لا يلغي استمرار معدلات البطالة المرتفعة داخل هذه الفئات.

ويبرز هذا المؤشر تفاوتا صارخا بين الرجال والنساء، إذ بلغ 24,2 في المائة لدى النساء مقابل 11,9 في المائة لدى الرجال، وهو ما يعكس استمرار وجود صعوبات أكبر أمام النساء الراغبات في الاندماج في النشاط الاقتصادي، سواء بسبب محدودية فرص العمل أو بسبب عوامل اجتماعية واقتصادية مرتبطة بالولوج إلى سوق الشغل والاستمرار فيه.

وبلغة الأرقام، بلغ عدد العاطلين عن العمل بالمفهوم الضيق مليوناً و121 ألف شخص خلال الفصل الثاني من سنة 2026، أي أقل بـ132 ألف شخص مقارنة بالفصل الأول، نتيجة انخفاض عدد العاطلين بـ108 آلاف شخص في الوسط الحضري وبـ24 ألفا في الوسط القروي.

ويتركز الجزء الأكبر من العاطلين في المدن، حيث يعيش 79,3 في المائة من مجموع هذه الفئة في الوسط الحضري، بينما تمثل النساء 33,3 في المائة من إجمالي العاطلين، وهي معطيات تؤكد استمرار التفاوتات المجالية والجندرية في سوق الشغل رغم التحسن الذي سجلته المؤشرات العامة.

وفي المقابل، بلغ عدد الأشخاص الموجودين في وضعية الشغل الناقص المرتبط بعدد ساعات العمل 527 ألف شخص، يعيش 56 في المائة منهم في الوسط الحضري، بينما قدرت القوة العاملة المحتملة بـ711 ألف شخص، أي ما يعادل 4,4 في المائة من مجموع الأشخاص الموجودين خارج القوى العاملة.

وفي انتظار استكمال الصورة الإحصائية واعتماد المؤشرات النهائية، يظل ملف التشغيل واحدا من أكثر الملفات حساسية في المرحلة السياسية المقبلة، خصوصا أن رهانه لا يرتبط بالاقتصاد وحده، بل يمتد إلى الثقة في المؤسسات، والقدرة على تنفيذ الوعود الانتخابية، وتحقيق إدماج فعلي للشباب في الدورة الاقتصادية.

آخر الأخبار