50 ألف وظيفة مهددة.. القانون الفرنسي يضع حكومة أخنوش في مأزق قبل نهاية الولاية
يدخل قطاع مراكز النداء وترحيل الخدمات بالمغرب مرحلة دقيقة ابتداء من الثلاثاء المقبل، مع دخول تشريع فرنسي جديد حيز التنفيذ، يفرض قيوداً مشددة على عمليات التسويق الهاتفي غير المرغوب فيه، في تحول قانوني قد يطال بشكل مباشر جزءاً من الأنشطة التي تنفذها شركات مغربية لفائدة مؤسسات تستهدف السوق الفرنسية.
ولا يستهدف القانون الفرنسي مراكز النداء المغربية بشكل مباشر، كما أنه لا يمنع الشركات الفرنسية من إسناد خدماتها إلى المغرب، غير أنه يعيد رسم القواعد التي تحكم الاتصال التجاري بالمستهلكين، بعدما انتقلت فرنسا من منطق يسمح بالاتصال ما لم يطلب المستهلك وقفه، إلى نظام يجعل الموافقة المسبقة شرطاً أساسياً قبل إجراء الاتصال التسويقي.
ويعني هذا التحول أن الشركات التي تستهدف المستهلك الفرنسي لن يكون بإمكانها، ابتداء من التاريخ المذكور، إجراء اتصالات تجارية إلا في حالات محددة، أبرزها توفر موافقة مسبقة وحرة وواضحة وقابلة للتراجع من طرف المستهلك، أو وجود علاقة تعاقدية قائمة تسمح بالتواصل بشأن خدمات مرتبطة بذلك العقد.
ويشكل هذا التغيير مصدر قلق داخل قطاع مراكز النداء بالمغرب، بالنظر إلى الوزن التاريخي للسوق الفرنسية في نشاط ترحيل الخدمات، وإلى اعتماد عدد من الشركات على عمليات الاتصال التجاري المباشر من أجل استقطاب زبناء جدد أو تسويق منتجات وخدمات مختلفة.
ولا تقتصر آثار التشريع على الجانب التنظيمي، إذ يتضمن القانون عقوبات مالية يمكن أن تصل إلى 375 ألف أورو بالنسبة إلى الشركات المخالفة، بينما يمكن أن تبلغ الغرامة بالنسبة إلى الأشخاص الطبيعيين 75 ألف أورو، فضلاً عن إمكانية بطلان بعض العقود التي يتم إبرامها في ظروف تخالف القواعد الجديدة الخاصة بالتسويق الهاتفي.
وفي المغرب، برزت المخاوف بشأن انعكاسات هذا المستجد بعد تحذيرات رسمية ومهنية من احتمال تأثر عدد كبير من الوظائف المرتبطة بالقطاع.
ومنذ سنوات، شرعت مجموعات كبرى في المغرب في الانتقال تدريجياً من نموذج مركز الاتصال التقليدي إلى نماذج أكثر تنوعاً تقوم على إدارة تجربة الزبون، والخدمات الرقمية، ومعالجة البيانات، والتفاعل عبر قنوات متعددة، في محاولة لمواكبة التحولات التي يشهدها القطاع عالمياً.
وقد يؤدي التشريع الفرنسي إلى تسريع هذا المسار، بعدما أصبح أمام الشركات عامل إضافي يدفعها إلى تقليص اعتمادها على التسويق الهاتفي التقليدي والبحث عن خدمات جديدة يمكن تقديمها للأسواق الخارجية، غير أن هذا التحول قد تكون له تكلفة اجتماعية خلال المرحلة الانتقالية، خصوصاً بالنسبة إلى العاملين في الأنشطة التي قد يتراجع الطلب عليها.
وكان النائب البرلماني عادل الدفوف، عن حزب الأصالة والمعاصرة، قد أثار بدوره مستقبل القطاع تحت قبة البرلمان، محذراً من المخاطر التي تهدد آلاف الوظائف المرتبطة بترحيل الخدمات ومراكز النداء، في ظل التوسع المتسارع لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل الشركات الدولية والمحلية.
وساهم هذا النشاط في خلق فرص شغل لفائدة آلاف الشباب، بما في ذلك أشخاص لا يتوفرون على مستويات تعليمية عليا، وهو ما جعل أي اضطراب محتمل في القطاع يحظى باهتمام اجتماعي واقتصادي يتجاوز حدود الشركات العاملة فيه.
وحذر الدفوف أيضاً من طبيعة المنافسة التي تميز قطاع الأوفشورينغ، بالنظر إلى أن الشركات العاملة فيه تبحث باستمرار عن الوجهات الأكثر تنافسية والأقل تكلفة، الأمر الذي قد يدفع بعض المؤسسات مستقبلاً إلى نقل جزء من أنشطتها إلى دول أخرى، خصوصاً مع تطور الذكاء الاصطناعي وتراجع الحاجة إلى الموارد البشرية في بعض المهام التقليدية.
وفي مواجهة هذه المخاوف، حاول يونس السكوري خلال الأسابيع الماضية التأكيد على أهمية القطاع ومكانته داخل الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن مراكز النداء وترحيل الخدمات تعد من القطاعات الحيوية، بحجم استثمارات يصل إلى 26 مليار درهم، مع توفير أكثر من 148 ألف منصب شغل، غالبيتها لفائدة الشباب.
وأكد الوزير أن نشاط القطاع لا يقتصر على التسويق الهاتفي، وأن هناك خدمات متعددة يمكن تطويرها خلال السنوات المقبلة، في وقت يمكن فيه لتشديد بعض الدول الأجنبية لقوانينها المتعلقة بالاتصالات التجارية أن يؤثر في جزء محدد من النشاط المغربي دون أن يعني بالضرورة انهيار القطاع برمته.
كما اعتبر السكوري أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي التعامل معه باعتباره تهديداً لسوق الشغل فقط، وإنما يمكن أن يشكل فرصة لتطوير الخدمات ورفع الإنتاجية، خصوصاً في المهام التي تعتمد على الأجوبة الجاهزة والتفاعل الرقمي، مع ضرورة مواكبة التحول التكنولوجي وتطوير مهارات العاملين.
ويأتي هذا النقاش في ظرف اقتصادي واجتماعي حساس، إذ تواجه الحكومة الحالية، مع اقتراب نهاية ولايتها، تحديات مرتبطة بسوق الشغل ومعدلات البطالة، بعدما بلغ معدل البطالة بالمغرب 13.3 في المائة على المستوى الوطني وفق آخر المعطيات الرسمية الواردة في المادة، ما يجعل مستقبل القطاعات التي توفر فرص عمل واسعة للشباب موضع متابعة واهتمام.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن تاريخ 11 غشت سيكون موعداً لصدور أثر فوري وشامل داخل السوق المغربية، إذ إن انعكاسات القانون الفرنسي ستتحدد تدريجياً بحسب رد فعل الشركات الفرنسية، وطريقة تكيف مراكز النداء المغربية، وقدرتها على تحويل العاملين من أنشطة التسويق الهاتفي إلى خدمات أخرى.