قبل صناديق الاقتراع.. "العنف الرقمي" يشعل أولى معارك انتخابات 2026 بالدار البيضاء

الكاتب : انس شريد

08 August 2026 - 09:30
الخط :

دخلت الأحزاب السياسية بالدار البيضاء مرحلة متقدمة من التحضير للاستحقاقات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، في سياق سياسي يتسم بتسارع التحركات التنظيمية وتكثيف الاجتماعات الداخلية، بالتزامن مع استمرار المشاورات المرتبطة بالتزكيات وترتيب الهياكل المحلية والجهوية، وسط مؤشرات على أن المنافسة الانتخابية بدأت تفرض إيقاعها قبل الوصول إلى موعد الحملة الرسمية وفتح مكاتب التصويت.

وتكتسي العاصمة الاقتصادية أهمية خاصة في الحسابات الانتخابية للأحزاب، بالنظر إلى وزنها الديمغرافي والاقتصادي وحضورها الواسع داخل الخريطة السياسية الوطنية، الأمر الذي يجعل الدوائر الانتخابية بالعاصمة الاقتصادية محط اهتمام متزايد من طرف مختلف التنظيمات، التي تسعى إلى ضمان أكبر قدر من الجاهزية والاستعداد لخوض الاستحقاقات المقبلة.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه التحركات التنظيمية داخل الأحزاب، برز الفضاء الرقمي كإحدى الساحات التي بدأت تستقطب جانبا من الصراع السياسي، بعدما تصاعد تداول أخبار وشائعات تتحدث عن وجود خلافات داخل عدد من مكونات الأغلبية الحكومية، خصوصاً في ظل بداية النقاش حول الترشيحات والاستعدادات الانتخابية.

غير أن التطورات الأخيرة اتخذت منحى أكثر حساسية بعد دخول نجوى كوكوس، النائبة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة ورئيسة المجلس الوطني للحزب، على خط المواجهة مع ما وصفته بحملات ممنهجة للتشهير والسب والقذف والمس بسمعتها والعنف الرقمي، معلنة اللجوء إلى القضاء من أجل التعامل مع هذه الأفعال وفق المساطر القانونية.

وجاء تحرك كوكوس في أعقاب إعلان تزكيتها لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة عن الدائرة الانتخابية الدار البيضاء أنفا، وهي الخطوة التي تضعها في قلب المنافسة الانتخابية بإحدى أبرز دوائر العاصمة الاقتصادية، في وقت بدأت فيه حرارة الاستحقاقات المقبلة ترتفع داخل مختلف التنظيمات السياسية.

وأكدت كوكوس، في بلاغ موجه إلى الرأي العام، تمسكها باللجوء إلى المؤسسات والقانون في مواجهة ما تعتبره استهدافاً رقمياً، معتبرة أن استمرار الصمت تجاه هذا النوع من الممارسات لا يساهم في حماية المتضررين، وإنما قد يؤدي إلى تشجيع مرتكبيها على مواصلة أفعالهم.

وربطت المسؤولة الحزبية هذا الملف بالدفاع عن حقوق النساء ومواجهة مختلف أشكال العنف الموجه ضدهن، مذكّرة بأن قضية العنف ضد النساء، بما في ذلك العنف المرتكب عبر الوسائط الرقمية، كانت من الملفات التي شكلت جزءاً من مسارها خلال مدة انتدابها بمجلس النواب، سواء في النقاشات المتعلقة بمراجعة مجموعة القانون الجنائي أو في الملفات المرتبطة بحماية النساء وحقوقهن وكرامتهن.

وتعتبر كوكوس أن العنف الرقمي لا يمكن التعامل معه باعتباره ظاهرة افتراضية منفصلة عن الواقع، بالنظر إلى ما قد يترتب عنه من آثار على الحياة النفسية والجسدية والأسرية والمهنية والاقتصادية والاجتماعية للمرأة، خصوصاً عندما يتحول الاستهداف الرقمي إلى حملات واسعة تمس السمعة والحضور في المجال العام.

وترى المسؤولة الحزبية أن استهداف النساء في المجال السياسي لا يقف في بعض الحالات عند حدود مهاجمة مواقفهن أو انتقاد أدائهن، وإنما قد يتحول إلى محاولة لإخراجهن من المجال العام ومراكز القرار، معتبرة أن بعض هذه الممارسات تعكس ذهنية لا تتقبل حضور المرأة عندما تكون مستقلة في قراراتها وقوية في مواقفها وصاحبة مسار سياسي وحقوقي.

ومع اقتراب الانتخابات، حذرت كوكوس من أن يتحول التشهير وصناعة الإشاعات إلى أدوات للمنافسة السياسية، بدل أن يكون التنافس قائماً على البرامج والأفكار والحصيلة والمواقف، مشددة على أن الحملة الانتخابية القانونية لم تنطلق بعد، وأن القواعد المنظمة للعملية الانتخابية معروفة، وأن القانون يظل المرجع الذي يجب الاحتكام إليه.

وأكدت أنها لن ترد على الإساءة بالإساءة، ولن تدخل في حملات مضادة أو تستخدم الأساليب ذاتها التي ترفضها، مفضلة اللجوء إلى المساطر القانونية والمؤسسات المختصة، مع التشديد على أن كل تجاوز ستتم مواجهته بالوسائل التي يتيحها القانون.

ولم يمر موقف كوكوس دون تفاعل داخل حزب الأصالة والمعاصرة، إذ عبر المهدي ليمينة، رئيس لجنة المساواة وتكافؤ الفرص بالمجلس الوطني للحزب، عن رفضه لما اعتبره انحرافاً في الممارسة السياسية، منتقداً استعمال السب والقذف والتشهير كوسائل للتأثير في المنافسة الانتخابية.

ودعا ليمينة إلى تدخل النيابة العامة وترتيب الآثار القانونية في حق كل من تثبت مسؤوليته عن نشر محتويات تتضمن إساءة أو تشهيراً أو تحريضاً، مؤكداً، وفق موقفه، أن الفضاء الرقمي لا يشكل مجالاً منفصلاً عن القواعد القانونية ولا ينبغي أن يتحول إلى مساحة للإفلات من المسؤولية.

ويعيد هذا التطور إلى الواجهة النقاش حول ما أصبح يعرف بالعنف الرقمي السياسي، في وقت تلعب فيه شبكات التواصل الاجتماعي دوراً متزايداً في تشكيل الرأي العام والتأثير في النقاشات الانتخابية، وهو ما يجعل ضبط الحدود بين النقد السياسي المشروع وبين التشهير والإساءة إحدى القضايا التي تزداد حساسيتها مع اقتراب موعد الانتخابات.

وبالتوازي مع هذه القضية، شهدت الساحة السياسية بالعاصمة الاقتصادية تداول أخبار تتحدث عن وجود خلافات داخل عدد من مكونات الأغلبية الحكومية، من بينها التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، في سياق النقاش المتصاعد حول الترشيحات وإعادة ترتيب الهياكل استعداداً للاستحقاقات التشريعية.

غير أن مصادر الجريدة 24 من داخل حزب التجمع الوطني للأحرار نفت، وفق المعطيات المتوفرة، صحة ما يتم تداوله بشأن وجود صراعات تنظيمية داخل الحزب على مستوى جهة الدار البيضاء-سطات، معتبرة أن هذه الأخبار لا تستند إلى معطيات واقعية، وأن الحزب يواصل اشتغاله التنظيمي بشكل عادي من خلال مؤسساته وهياكله القانونية.

وأكدت المصادر نفسها أن اختلاف وجهات النظر داخل أي تنظيم سياسي أمر طبيعي، ولا يمكن اعتباره تلقائياً مؤشراً على وجود انقسامات أو صراعات تهدد تماسك الحزب، مشيرة إلى استمرار الاجتماعات التنظيمية والاستعدادات المرتبطة بالمحطات الانتخابية المقبلة.

وفي السياق ذاته، دخل شفيق ابن كيران، رئيس مقاطعة عين الشق، على خط الجدل، نافياً بشكل قاطع وجود خلافات أو صراعات بين قيادات التجمع الوطني للأحرار بجهة الدار البيضاء-سطات، معتبراً أن ما يتم تداوله يدخل في إطار محاولات التشويش على التنظيم وإثارة البلبلة في صفوفه.

وأوضح ابن كيران، عبر تدوينة نشرها على حسابه بموقع «فيسبوك»، أن الحزب يعتمد في تكوين مناضليه وشبيبته على قيم الاحترام المتبادل والعمل الجماعي وروح المسؤولية، مؤكداً أن اختلاف الآراء جزء طبيعي من الممارسة السياسية، ولا ينبغي أن يتحول إلى مادة للتشكيك في وحدة الحزب أو علاقات قياداته.

كما نفى ما تم تداوله بشأن وجود صراع بينه وبين كل من توفيق كميل، رئيس مقاطعة سباتة، ونبيلة الرميلي، رئيسة مجلس جماعة الدار البيضاء، مؤكداً أن هذه الادعاءات لا تعكس، حسب موقفه، طبيعة العلاقات بين مختلف المسؤولين والمنتخبين داخل الحزب.

وشدد ابن كيران على أن المسؤولين في التجمع الوطني للأحرار يشتغلون ضمن مشروع سياسي واحد، وأن الهدف المشترك يتمثل في خدمة المواطنين والمساهمة في تنزيل برامج التنمية، بعيداً عن الحسابات الشخصية والصراعات التي يتم الترويج لها عبر بعض المنصات.

وفي معرض حديثه عن المسؤولين الحزبيين، نوه ابن كيران بالحصيلة التي حققها توفيق كميل على رأس مجلس مقاطعة سباتة، كما أشاد بتدبير نبيلة الرميلي لشؤون جماعة الدار البيضاء، مقدماً إياهما باعتبارهما جزءاً من المشروع التنظيمي والسياسي للحزب داخل العاصمة الاقتصادية.

وتأتي هذه المواقف في وقت تؤكد فيه المعطيات التي حصلت عليها "الجريدة 24" من مصادرها أن مختلف الأحزاب الكبرى بالعاصمة الاقتصادية دخلت فعليا مرحلة إعادة ترتيب أوضاعها الداخلية، من خلال عقد اجتماعات تنظيمية مع الحسم في التزكيات.

ومع اقتراب شتنبر 2026، تبدو المنافسة في الدار البيضاء مرشحة لتتخذ أشكالاً متعددة، تبدأ من إعادة ترتيب الهياكل واختيار المرشحين، وتمتد إلى التحركات الميدانية والتواصل مع الناخبين، وصولاً إلى إدارة الخطاب السياسي في الفضاء الرقمي الذي أصبح جزءاً أساسياً من المشهد الانتخابي.

غير مصنف