يواصل إصلاح أنظمة التقاعد مساره البطيء مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، في وقت لم يتم فيه التوصل بعد إلى صيغة نهائية تحسم مستقبل منظومة تواجه تحديات مالية وديموغرافية متزايدة، بينما تترقب النقابات وممثلو المتقاعدين مآل هذا الورش الذي يرتبط بشكل مباشر بمستقبل معاشات ملايين المؤمنين والمنخرطين.
وتزداد حساسية الملف مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها في 23 شتنبر 2026، الأمر الذي يضع حكومة عزيز أخنوش أمام مرحلة دقيقة، خصوصًا أن أي قرار يتعلق بإصلاح أنظمة التقاعد يحمل أبعادًا مالية واجتماعية وسياسية، ويحتاج إلى توافق واسع قبل الانتقال من مرحلة الدراسة إلى التنفيذ.
وفي خضم هذا النقاش، وضع محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، إصلاح التقاعد ضمن الأوراش الاجتماعية الكبرى التي تستوجب معالجة دقيقة، معتبرًا أن طبيعة الملف تفرض اعتماد مقاربة شاملة بدل اللجوء إلى حلول جزئية قد تعالج بعض الاختلالات الظرفية دون أن توفر ضمانات كافية لاستدامة المنظومة.
وخلال استضافته من طرف مؤسسة الفقيه التطواني بالرباط، أوضح شوكي أن الحكومة لم تتخل عن هذا الورش، وأن الاشتغال عليه استمر من خلال دراسة مختلف السيناريوهات الممكنة، خصوصًا في ظل التغيرات التي طرأت على الوضعية المالية لأنظمة التقاعد خلال السنوات الأخيرة.
ويرتبط جزء من هذا التحسن، بحسب رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، بتطور كتلة أجور موظفي القطاع العام، وما ترتب عنها من ارتفاع في حجم المساهمات، وهو ما انعكس على آفاق الصندوق المغربي للتقاعد ومنح، وفق هذا التقييم، هامشًا إضافيًا لمواصلة البحث عن الصيغة الأكثر ملاءمة للإصلاح.
ولا ينظر شوكي إلى ورش التقاعد باعتباره مجرد عملية تقنية تستهدف تصحيح الاختلالات المالية أو الاكتوارية، بل يعتبر أن الإصلاح المنتظر ينبغي أن يستحضر التحولات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية التي يشهدها المغرب، وأن يضمن قدرة الأنظمة على الوفاء بالتزاماتها مستقبلًا مع الحفاظ على حقوق المستفيدين.
ويأتي هذا الطرح في وقت ما تزال فيه عدد من المركزيات النقابية والهيئات الممثلة للمتقاعدين تبدي تحفظات بشأن استمرار تأجيل الحسم، محذرة من أن إطالة أمد الانتظار قد تزيد من تعقيدات الملف وترفع كلفة أي إصلاح يتم اعتماده في المستقبل.
وترى هذه الهيئات أن معالجة وضعية صناديق التقاعد لا ينبغي أن تتم من زاوية مالية صرفة، بل يتعين أن تراعي كذلك الأوضاع الاجتماعية للمتقاعدين، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والعلاج، وما يفرضه ذلك من ضغوط إضافية على الأسر التي تعتمد على المعاشات كمصدر أساسي للدخل.
وفي المقابل، يرفض شوكي تفسير بطء الحسم في الإصلاح باعتبارات انتخابية، مؤكدًا أن حساسية الملف تستدعي معالجة عميقة تبدأ من تشخيص مكامن الاختلال وتقييم الخيارات المتاحة، قبل الانتقال إلى اعتماد نموذج إصلاحي متكامل وقابل للاستمرار.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة مع اقتراب الاستحقاق التشريعي، إذ ستدخل الحكومة الحالية المرحلة الأخيرة من ولايتها وسط ملفات اجتماعية واقتصادية كبرى، فيما يبقى إصلاح التقاعد من الأوراش التي تتطلب قرارات طويلة الأمد ولا تقتصر آثارها على فترة حكومية واحدة.
ويؤكد رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار أن الحكومة ماضية في تنفيذ التزامات برنامجها إلى نهاية ولايتها، بالتوازي مع إعداد الأوراش التي تحتاج بطبيعتها إلى الاستمرار خلال المرحلة الحكومية المقبلة، وهو ما يجعل ملف التقاعد مفتوحًا على أكثر من سيناريو خلال الفترة المتبقية قبل الانتخابات.
وبينما تتطلع النقابات والمتقاعدون إلى إصلاح يضمن العدالة والاستدامة، تظل الحكومة مطالبة بتحقيق توازن دقيق بين إنقاذ أنظمة التقاعد من الاختلالات المستقبلية وعدم تحميل المنخرطين والمتقاعدين أعباء اجتماعية إضافية.
ومع اقتراب 23 شتنبر، موعد الانتخابات التشريعية، يتجه ملف التقاعد تدريجيًا نحو واجهة النقاش السياسي والاجتماعي، بعدما ظل لسنوات أحد أكثر الأوراش تعقيدًا وحساسية. ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت الحكومة الحالية ستتمكن من الوصول إلى صيغة إصلاحية قبل نهاية ولايتها، أم أن الحسم النهائي سيُرحّل إلى الحكومة المقبلة، لتبدأ مرحلة جديدة من التفاوض حول مستقبل منظومة التقاعد بالمغرب.