وهبي يتشبث باستعادة القاصرين.. وإسبانيا: الأسر لم تطالب باسترجاع أطفالها

الكاتب : انس شريد

21 August 2026 - 06:30
الخط :

دخل ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين في مدينة سبتة المحتلة مرحلة جديدة من التعقيد، بعدما تزامن الضغط المتزايد على مراكز الإيواء الإسبانية مع تباين واضح في المقاربات المعتمدة بين الرباط ومدريد بشأن مستقبل الأطفال الذين وصلوا إلى المدينة خلال موجة العبور الجماعي الأخيرة.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه المملكة المغربية استعدادها للتنسيق من أجل استعادة القاصرين، تتمسك النيابة العامة الإسبانية بضرورة احترام المساطر القانونية التي تفرض دراسة وضعية كل طفل على حدة، وهو ما يجعل أي عودة جماعية وسريعة أمرا يصطدم بضمانات قانونية مرتبطة بحماية القاصرين.

وأعاد وزير العدل عبد اللطيف وهبي، التأكيد على أن التواصل المغربي الإسباني بشأن القاصرين الموجودين في سبتة ومليلية المحتلتين لم ينقطع، مشددا على أن معالجة الملف تتم عبر القنوات الرسمية بين البلدين، وليس بناء على ما يتم تداوله في مواقع التواصل الاجتماعي أو ما يصدر عن جهات غير رسمية.

وأوضح وهبي، خلال استضافته على القناة الثانية، أن ملف القاصرين أصبح محاطا بالكثير من التأويلات السياسية، داعيا إلى الفصل بين المواقف والتصريحات المتداولة وبين ما يجري فعليا في إطار التواصل المؤسساتي بين الرباط ومدريد.

ويرى الوزير أن معالجة هذه القضية تتطلب تعاونا يتجاوز المغرب وإسبانيا، بالنظر إلى ارتباطها أيضا بالاتحاد الأوروبي، خصوصا أن تدبير الهجرة غير النظامية بات ملفا مشتركا بين ضفتي المتوسط، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والإنسانية والاجتماعية والقانونية.

وفي معرض حديثه، عن جهود المغرب في مواجهة الهجرة غير النظامية، قدم وهبي أرقاما تعكس حجم العمليات التي تنفذها السلطات المغربية، مشيرا إلى إحباط 79 ألف محاولة للهجرة السرية خلال سنة 2024، مقابل 74 ألف محاولة في سنة 2025، إلى جانب تفكيك 632 شبكة تنشط في تهريب المهاجرين، وإنقاذ نحو 32 ألف شخص في البحر خلال الفترة نفسها.

وبحسب الوزير، فإن هذه العمليات لا ترتبط فقط بالبعد الأمني، وإنما تشمل أيضا حماية القاصرين والمهاجرين من المخاطر المرتبطة بالرحلات غير النظامية، خصوصا في المناطق الشمالية التي تشهد ضغطا متواصلا بسبب محاولات الوصول إلى الأراضي الإسبانية.

وفي ما يتعلق بالقاصرين الموجودين في إسبانيا، كان موقف وهبي واضحا في التأكيد على رغبة المغرب في استعادتهم، مبديا استعداد المملكة للتنسيق مع السلطات الإسبانية من أجل تنظيم عودتهم، بل ومشيرا إلى إمكانية توفير وسائل النقل اللازمة لهذا الغرض.

غير أن الطريق نحو تنفيذ هذه العودة لا يبدو مباشرا، إذ تخضع وضعية القاصرين في إسبانيا لإجراءات قانونية دقيقة تبدأ بالتأكد من هويتهم وجنسيتهم، مرورا بتحديد وضعهم العائلي والاجتماعي، وصولا إلى تقييم مدى توفر الشروط التي تسمح بإعادتهم إلى أسرهم أو إلى بلدهم الأصلي.

وشدد وهبي على أن القاصرين المعنيين لا ينبغي التعامل معهم باعتبارهم مخالفين أو مجرمين، وإنما باعتبارهم أطفالا يستوجب وضعهم مقاربة حمائية تراعي سنهم ومصلحتهم وظروفهم الأسرية.

وفي المقابل، برز موقف أكثر تحفظا من الجانب الإسباني، بعدما رفضت المدعية العامة المكلفة بقضايا القاصرين، تيريزا خيسبيرت، فكرة الإعادة الفورية والجماعية للأطفال الذين وصلوا إلى سبتة خلال موجة العبور المسجلة في 30 يوليوز، مؤكدة أن القانون يفرض دراسة مستقلة لوضعية كل قاصر قبل اتخاذ أي قرار.

ووفق المعطيات التي نقلتها صحيفة "إلفارو دي سيوتا"، أوضحت خيسبيرت أن النيابة العامة الإسبانية لم تتلق طلبا من أي أب أو أم يطالب باستعادة طفله الموجود في سبتة، بينما تواصل بعض الأسر مع السلطات لتأكيد معرفتها بمكان وجود أبنائها وترحيبها باستمرار استفادتهم من منظومة الحماية الإسبانية.

ويضع هذا الموقف السلطات الإسبانية أمام معادلة دقيقة، فمن جهة تواجه مراكز استقبال القاصرين ضغطا متزايدا، ومن جهة أخرى تظل ملزمة قانونيا بعدم اتخاذ قرارات جماعية تتجاهل الظروف الفردية للأطفال.

وأمام هذا الضغط، أعطت النيابة العامة الأولوية لنقل 500 فتاة قاصر إلى مناطق أخرى داخل إسبانيا، في محاولة لتخفيف الضغط عن مرافق الإيواء في المدينة، مع إعطاء الأولوية للفئات التي تعتبر أكثر هشاشة وحاجة إلى حماية عاجلة.

وفي المقابل يؤكد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، أن المغرب لا ينظر إلى الملف باعتباره أزمة ظرفية، بل يسعى إلى إنهائه من خلال حل واضح ونهائي، معتبرا أن استمرار الوضع الحالي يفتح الباب أمام تداعيات إنسانية واجتماعية يصعب التحكم فيها.

وبذلك، لم تعد قضية القاصرين المغاربة في سبتة مجرد ملف مرتبط بتدبير أزمة استقبال، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الرباط ومدريد على التوفيق بين مقتضيات القانون واعتبارات حماية الطفولة والضغوط السياسية المتزايدة، في انتظار أن تفضي الاتصالات الرسمية إلى صيغة تنهي حالة الجمود وتحدد بوضوح مصير هؤلاء القاصرين.

آخر الأخبار