باب البرادعيين...من سوق البرادع إلى معلمة خالدة في تاريخ مكناس
أمينة المستاري
في قلب المدينة العتيقة لمكناس يقف باب البرادعيين شامخا كواحد من الشواهد المعمارية التي تختزل تاريخ العاصمة الإسماعيلية ومجدها.
فهذا الباب ليس مجرد مدخل عادي للمدينة، بل هو حكاية عمران وتجارة وروحانية، نسجت خيوطها عبر القرون منذ عهد السلطان العلوي العظيم مولاي إسماعيل الذي حكم المغرب بين سنتي 1672 و1727 وجعل من مكناس عاصمة لملكه.
شيد باب البرادعيين في القرن السابع عشر، واكتمل بناؤه -وفق ما أورده المؤرخ المغربي ابن زيدان- حوالي سنة 1695، وإن كانت بعض المصادر تشير إلى تواريخ أخرى قريبة مثل 1687 أو حتى 1720. وقد استمد الباب اسمه من صانعي "البردعة" أي السروج التي توضع على ظهور الدواب، إذ كان هؤلاء الحرفيون يتجمعون ويقيمون بساحة قريبة من هذا المدخل الحيوي للمدينة.
لم يكن اختيار هذا الموقع اعتباطيا، فقد أراد مولاي إسماعيل أن يمنح هذا المدخل من المدينة بابا يليق بالأحياء الملكية وبالدور الاقتصادي الذي كان يلعبه، خاصة وأنه كان يشكل صلة وصل رئيسية بين مكناس وشمال البلاد، ومنها إلى العالم الخارجي.
خلال القرن الثامن عشر، تحول باب البرادعيين إلى مركز مهم للمبادلات التجارية والدبلوماسية، فالقوافل القادمة من الشمال كانت تعبره محملة بالبضائع، كما كان ممرا للوفود والرسل، ومن هنا اكتسب الباب مكانته كأحد أهم مداخل المدينة.
في محيط الباب أنشأ السلطان أيضا نافورة عمومية، مما أضفى على المكان حيوية إضافية وجعله فضاء نابضاً بالحركة والحياة اليومية.
قرب هذه المعلمة التاريخية شيد مسجد باب البرادعيين سنة 1709 بأمر من مولاي إسماعيل، وأسندت مهمة بنائه لوزيره علي بن يشو، وهو ما تؤكده كتابة منقوشة على خشب باب مقصورة المنبر.
وقد أعيد تجديد هذا المسجد لاحقا في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، مما حافظ على إشعاعه الديني والعمراني.
وبمجرد عبور الباب، تبرز مئذنة المسجد شامخة، بينما يقود الطريق إلى ضريح الشيخ الصوفي الشهير سيدي محمد بن عيسى، الذي يعد من أبرز الأولياء في تاريخ المغرب.
من الناحية المعمارية، يعد باب البرادعيين واحدا من أروع أبواب مكناس، ويتميز بقوس كبير على شكل حدوة حصان يحيط به برجان مربعان ضخمان يمنحان الباب مظهرا مهيبا، ويقع القوس داخل مساحة مربعة مزخرفة يبلغ طول كل ضلع فيها نحو 11 مترا، تتزين ببلاط الزليج والنقوش النباتية والهندسية الدقيقة.
كما يمتد إفريز هندسي مزخرف فوق القوس، تعلوه شرفات مسننة تشبه أسنان المنشار، وهي عناصر معمارية تضفي على البوابة طابعا دفاعيا وجماليا في آن واحد.
وعلى الرغم من ضخامة البناء، فإن الزخارف الخزفية الدقيقة تخفف من صلابته وتمنحه لمسة فنية رفيعة، على الرغم من أن الأقواس تعرضت لعوامل الزمن، فقد أشار ابن زيدان إلى أن الباب كان يتكون من ثمانية عشر قوسا، بقي بعضها قائما إلى اليوم بينما اندثر بعضها الآخر، ولم تبق منه سوى الأعمدة شاهدة على عظمة البناء.
عند الخروج من الباب، تتوزع معالم تاريخية وروحية عديدة. فمن جهة اليمين يمتد السور المتصل بقصبة تزيمي وصولا إلى باب تزيمي، كما توجد روضة قبور الشهداء، أما من الجهة اليسرى فتقع مقبرة عظيمة تضم قبور عدد من العلماء والأولياء.
وكان بين الباب وصحن الأقواس فضاء واسع يقام فيه سوق لبيع الخشب كل يوم جمعة بعد الصلاة، ما يعكس الدور الاجتماعي والاقتصادي الذي لعبه هذا الموقع عبر الزمن.
رغم ما يحمله باب البرادعيين من قيمة تاريخية وجمالية، فإن شهرته تبقى أقل من شهرة جاره الأسطوري باب منصور العلج الذي أصبح رمزا عالميا لمدينة مكناس.
لكن ذلك لا يمنع من اعتباره أحد أروع الشواهد على عبقرية العمارة المغربية في العصر الإسماعيلي، فهو يظل صفحة مفتوحة من تاريخ مكناس، تروي حكاية مدينة جمعت بين التجارة والسلطة والروحانية، واحتفظت في حجارتها بذاكرة قرون من المجد.