العالم القروي يتحول إلى ورقة انتخابية.. والأحزاب تتسابق على تقديم وصفات لإنهاء "المغرب بسرعتين"

الكاتب : انس شريد

21 August 2026 - 08:30
الخط :

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في شتنبر المقبل، تتجه الأحزاب السياسية المغربية إلى تكثيف تحركاتها الميدانية، في محاولة لبلورة برامج انتخابية تستجيب للانتظارات المتزايدة للناخبين، وسط بروز ملفات اجتماعية واقتصادية ومجالية مرشحة لتحديد طبيعة النقاش خلال المرحلة المقبلة.

ويبرز العالم القروي في مقدمة القضايا التي بدأت تفرض نفسها بقوة على أجندة التنافس السياسي، بعدما أصبح تقليص الفوارق المجالية وتحسين ظروف العيش خارج المدن اختباراً حقيقياً لمدى قدرة البرامج الحزبية على تقديم حلول عملية قابلة للتنفيذ، وليس مجرد وعود انتخابية مرتبطة بمواعيد الاستحقاقات.

وفي هذا السياق، باتت قضايا الطرق، والتعليم، والصحة، والتشغيل، والدخل، والبنيات الأساسية، إلى جانب ضعف فرص الاستثمار وارتفاع كلفة الولوج إلى عدد من الخدمات، عناصر مركزية في الخطاب الموجه إلى سكان المناطق القروية والجبلية، الذين يترقبون أن تتحول الوعود السياسية إلى مشاريع ملموسة تنعكس مباشرة على حياتهم اليومية.

ويعد حزب الأصالة والمعاصرة من بين أبرز الأحزاب التي رفعت ملف العدالة المجالية إلى صدارة النقاش الانتخابي، حيث أكدت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للحزب، أن الفوارق بين المجالات الترابية ما تزال تمثل واقعاً يستدعي المعالجة، مشيرة إلى أن تصور الحزب لسياسة المدينة لم يعد محصوراً في الحواضر الكبرى، وإنما يتجه أيضاً نحو الأقاليم والمراكز القروية والمناطق التي تحتاج إلى دفعة تنموية أكبر.

وجاءت تصريحات المنصوري خلال لقاء تواصلي حزبي بقرية با محمد بإقليم تاونات، حيث استحضرت عدداً من المشاريع والاتفاقيات التنموية التي عرفها الإقليم، مشيرة إلى توقيع 9 اتفاقيات ذات طابع تنموي، إلى جانب اتفاقيات مماثلة بإقليم تازة وعدد من الجماعات القروية.

وفي حديثها عن واقع إقليم تاونات، أقرت المنصوري باستمرار مجموعة من الإكراهات التنموية، مقابل الإشادة بما حققه المغرب خلال السنوات الـ27 الماضية من أوراش وإصلاحات، خاصة في ما يرتبط ببناء أسس الدولة الاجتماعية وتوسيع نطاق عدد من البرامج الاجتماعية والتنموية.

غير أن القيادية في حزب الأصالة والمعاصرة شددت، في المقابل، على أن المرحلة المقبلة تفرض التعامل مع الفوارق المجالية باعتبارها تحدياً مركزياً، موضحة أن تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية لم يعد ملفاً ثانوياً، وإنما أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بقدرة المؤسسات على استعادة ثقة فئات واسعة من الشباب وتوفير شروط الاستقرار والاندماج.

وفي السياق نفسه، شددت المنصوري على أن حزب الأصالة والمعاصرة يسعى إلى مواصلة حضوره داخل مختلف المجالات الترابية، مع التركيز على المناطق التي تحتاج إلى مواكبة أكبر، معتبرة أن الانخراط في قضايا المغرب العميق يشكل جزءاً من رهانات الحزب السياسية والتنموية خلال المرحلة المقبلة.

ومن جهته، وضع فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، ملف تقليص الفوارق المجالية في صلب تصور الحزب للمرحلة المقبلة، مؤكداً أن الحكومة القادمة ستكون مطالبة بالعمل على جعل المغرب يسير بوتيرة تنموية أكثر انسجاماً بين مختلف مناطقه.

ولم يكتف حزب الأصالة والمعاصرة بتشخيص الإشكالات، بل خصص في برنامجه الانتخابي المقبل، حيزا من تصوره للعالم القروي لتحسين مداخيل الأسر، مع التركيز على دعم التعاونيات النسوية باعتبارها إحدى الآليات الممكنة لتقوية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وخلق موارد إضافية لفائدة النساء القرويات، خصوصاً في المناطق التي تعاني محدودية الأنشطة الاقتصادية وفرص الدخل.

وفي الجهة المقابلة، اختار حزب الحركة الشعبية مقاربة أكثر تخصصاً تجاه المناطق القروية والجبلية والواحات والمجالات الحدودية، من خلال طرح فكرة إحداث وزارة خاصة بهذه المجالات، بهدف تجميع وتنسيق السياسات العمومية الموجهة إليها، وتحقيق قدر أكبر من الانسجام والفعالية في تنفيذ المشاريع التنموية.

كما يقترح الحزب في برنامجه الانتخابي، إحداث أقطاب قروية تتوفر على حد أدنى من الخدمات الأساسية، بما يسمح بتقريب الإدارة والمرافق العمومية من المواطنين، ويخفف من معاناة سكان عدد من المناطق الذين يضطرون إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مؤسسات صحية أو تعليمية أو إدارية.

ويربط الحزب بين تطوير العالم القروي ومعالجة عدد من المشاكل التي تواجه المدن، وعلى رأسها الهجرة الداخلية والضغط المتزايد على السكن والنقل والصحة والتعليم والبنيات التحتية، باعتبار أن تحسين ظروف العيش في القرى يمكن أن يساهم في الحد من النزوح نحو المراكز الحضرية.

أما حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة الحالية، فقد جعل بدوره من تحسين الخدمات الأساسية بالمجال القروي أحد محاور برنامجه الانتخابي، مع طرح مجموعة من الإجراءات المرتبطة بالتعليم والصحة والنقل المدرسي والدعم الاجتماعي.

ويتعهد الحزب بتوسيع خدمات النقل المدرسي بالمناطق القروية، إلى جانب توفير وجبات غذائية لفائدة أطفال التعليم الأولي والابتدائي العمومي، وتطوير آليات الدعم الدراسي الفردي بالاستفادة من الوسائل والتقنيات التعليمية الحديثة، في محاولة لمعالجة عدد من العوامل التي تؤثر على المسار الدراسي للأطفال في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية.

وفي القطاع الصحي، يطرح حزب التجمع الوطني للأحرار هدف تعميم نحو 5.000 من أعوان الصحة بالمجال القروي خلال الولاية المقبلة، في إطار تصور يرمي إلى تقريب الخدمات الطبية من المواطنين وتقليص المسافات والفوارق المرتبطة بالولوج إلى العلاج.

ويضع الحزب أيضاً خلق فرص الشغل وتشجيع الاستثمار المحلي ضمن أولويات تدخله في المناطق القروية، باعتبار أن تحسين الخدمات وحده لا يكفي لضمان استقرار السكان، ما لم يرافقه خلق مصادر دخل مستدامة وفتح المجال أمام المبادرات الاقتصادية المحلية.

وبين هذه التصورات الحزبية المختلفة، يظهر أن العالم القروي لم يعد ملفا هامشيا في البرامج الانتخابية، بل تحول إلى واحدة من أبرز ساحات التنافس السياسي، خصوصا في ظل ارتفاع سقف انتظارات السكان بشأن البنيات الأساسية والخدمات العمومية وفرص التشغيل وتحسين مستوى الدخل.

آخر الأخبار