حكومة المنصوري ورهان إصلاح مدونة الأسرة.. تحديات تشريعية وقضايا خلافية

الكاتب : انس شريد

19 October 2026 - 06:30
الخط :

تجد الحكومة الجديدة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام مجموعة من الأوراش التشريعية التي تنتظر استكمال مسارها، في مقدمتها إصلاح مدونة الأسرة، الذي يثير نقاشاً واسعاً بالنظر إلى ارتباطه المباشر بحقوق النساء والأطفال وبمستقبل العلاقات الأسرية في المغرب.

ويأتي هذا الملف ضمن أولويات المرحلة الحكومية الجديدة، في وقت تتزايد فيه المطالب بإخراج مراجعة قانونية تستجيب للتحولات الاجتماعية، وتحقق التوازن بين حماية الحقوق والحفاظ على تماسك الأسرة.

ويكتسي هذا الورش أهمية خاصة بالنظر إلى تعدد القضايا التي تشملها مراجعة مدونة الأسرة، فضلاً عن تداخل أبعادها القانونية والاجتماعية والحقوقية.

كما أن استكماله يقتضي المرور عبر مراحل تشريعية ومؤسساتية تتيح مناقشة مختلف المقتضيات المقترحة، وتحديد الصيغة النهائية التي ستؤطر العلاقات والالتزامات داخل الأسرة، بما يضمن وضوح القواعد القانونية وقابليتها للتطبيق.

ورغم المشاورات التي عرفها مسار المراجعة، بمشاركة أحزاب سياسية ومؤسسات دستورية وهيئات حقوقية وفعاليات من المجتمع المدني، خلال عهد الحكومة السابقة فإن المشروع لم يصل بعد إلى مرحلة المناقشة البرلمانية، وفق المعطيات الواردة في الملف.

ويعيد هذا الوضع طرح مسألة الجدولة الزمنية لاستكمال الإصلاح، ومدى قدرة الحكومة الجديدة على تحويل مخرجات النقاشات السابقة إلى نص تشريعي يمر عبر المساطر القانونية المعتمدة.

وتشمل أبرز القضايا المطروحة في هذا السياق زواج القاصرات، والحضانة، والنيابة القانونية على الأطفال، والتعدد، فضلاً عن تدبير الأموال المكتسبة خلال الزواج.

وتكتسي هذه الملفات أهمية بالنظر إلى انعكاساتها على الحقوق والواجبات داخل الأسرة، وما تفرضه من ضرورة صياغة مقتضيات دقيقة تراعي المصلحة الفضلى للأطفال، وتحدد مسؤوليات الأطراف المعنية، وتقلص مواطن الغموض أو الاختلاف في التأويل والتطبيق.

وفي هذا الإطار، أكدت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، أن الحكومة ستواصل تفعيل إصلاح مدونة الأسرة وفق التوجيهات الملكية، مع مراعاة مكانة المؤسسة الملكية الدستورية والدينية بصفته أميراً للمؤمنين.

ويأتي هذا التوجه ضمن تصور حكومي يربط إصلاح المنظومة الأسرية بصيانة الهوية المغربية الجامعة، وتعزيز التماسك المجتمعي، وترسيخ قيم التضامن بين الفئات والأجيال والجهات.

وخلال تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، شددت المنصوري على أن الأسرة تظل أحد المرتكزات الأساسية للتوازن المجتمعي، معتبرة أن حمايتها وتعزيز استقرارها يندرجان ضمن التوجهات الرامية إلى صيانة الهوية والمواطنة وتقوية الروابط الاجتماعية.

ويضع هذا التصور إصلاح مدونة الأسرة ضمن مقاربة أوسع تتجاوز تعديل المقتضيات القانونية إلى معالجة قضايا الحماية الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الحقوق والفرص.

كما عرضت رئيسة الحكومة توجهات تروم اعتماد سياسة مندمجة لفائدة الطفولة والشباب والمسنين، مع تعزيز حماية النساء والأطفال وصون حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة. وتشمل هذه التوجهات، وفق ما ورد في البرنامج الحكومي، تقوية المؤسسات الدستورية المعنية بالحقوق والمساواة والمناصفة، بما يتيح مواكبة الإصلاحات المرتقبة وتعزيز آليات حماية الحقوق داخل المجتمع.

وفي السياق نفسه، تعتزم الحكومة وضع سياسة متكاملة لتمكين النساء والحد من التمييز، إلى جانب حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي وتجديد الشراكة مع المجتمع المدني.

وتأتي هذه المستجدات بعدما سبق أن دعت عدد من الجمعيات الحقوقية، من بينها جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، إلى التعجيل باستكمال إصلاح مدونة الأسرة وإحالته على البرلمان وفق جدول زمني واضح ومعلن، محذرةً من أن استمرار التأخر في هذا الورش التشريعي يفاقم الاختلالات القانونية والاجتماعية التي تؤثر في حقوق النساء والأطفال، ويجعل الإصلاح ضرورة ملحّة لا تحتمل مزيداً من التأجيل.

وأكدت الجمعية، في بيان لها، ضرورة إدراج إصلاح مدونة الأسرة ضمن الأولويات التشريعية للحكومة المقبلة، مع ضمان مشاركة الجمعيات النسائية والحقوقية في النقاش، بما يفضي إلى مقتضيات قانونية تعزز المساواة في الحقوق والمسؤوليات، وتصون كرامة النساء وتراعي المصلحة الفضلى للطفل.

وسلطت الجمعية الضوء على عدد من القضايا التي يتعين أن يحظى بها الإصلاح المرتقب، وفي مقدمتها الحد من تزويج الطفلات، وحماية الحقوق الاقتصادية للنساء عند انحلال العلاقة الزوجية، والاعتراف بمساهمتهن في تنمية أموال الأسرة، بما في ذلك العمل المنزلي والرعائي، إلى جانب تعزيز ضمانات حماية حقوق الأطفال وترسيخ مبدأ المسؤولية المشتركة بين الأبوين.

وشددت الجمعية على أن إصلاح مدونة الأسرة لا ينبغي أن يقتصر على إخراج نص تشريعي جديد، بل يتطلب توفير الإمكانات البشرية والمالية الضرورية لتنزيل مقتضياته، وتأهيل مختلف المتدخلين، وتيسير الولوج إلى العدالة، بما يضمن ترجمة التعديلات القانونية إلى أثر ملموس في حياة النساء والأطفال.

كما أفادت الجمعية بأنها وجهت إلى رئيسة الحكومة المعينة مذكرة مطلبية وترافعية تتضمن 12 أولوية استراتيجية، يتصدرها إصلاح مدونة الأسرة، ضمن رؤية تروم الربط بين تحقيق المساواة والتمكين الاقتصادي والسياسي للنساء وتعزيز الحماية من العنف، مع اقتراح تدابير عملية قابلة للتنفيذ والتتبع والتقييم.

واعتبرت الجمعية أن تخليد اليوم الوطني للمرأة المغربية ينبغي أن يشكل مناسبة لتسريع الإصلاحات الملموسة والاستجابة للانتظارات الحقوقية والاجتماعية للنساء، مؤكدة أن تجاوز الفجوة بين الحقوق المعلنة والواقع المعيش يظل رهينا بالانتقال من الالتزامات والتعهدات إلى إجراءات تشريعية ومؤسساتية واضحة وفعالة.

آخر الأخبار