بين إشادة الأغلبية وتحفظات المعارضة.. برنامج المنصوري الحكومي أمام اختبار التنفيذ

الكاتب : انس شريد

19 October 2026 - 07:30
الخط :

قدمت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، الاثنين 19 أكتوبر 2026، البرنامج الحكومي للفترة الممتدة من 2026 إلى 2031 أمام البرلمان، حيث عرضت مجموعة من الالتزامات المرتبطة بمحاربة الفساد والريع، وتحسين القدرة الشرائية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتوسيع فرص التشغيل، إلى جانب تطوير الخدمات المقدمة للمواطنين في الوسطين الحضري والقروي.

وأثار العرض تفاعلات متفاوتة في صفوف البرلمانيين، بين إشادة بمضامينه وطموحاته، ودعوات إلى توضيح آليات التنفيذ وضمان انتقال التعهدات المعلنة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

وعكست تصريحات عدد من ممثلي الأغلبية والمعارضة، عقب انتهاء الجلسة البرلمانية، تباينًا في تقييم البرنامج الحكومي، مع تقاطع مواقفهم حول أهمية معالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل المواطنين.

ففي الوقت الذي اعتبر فيه برلمانيون أن البرنامج يتضمن أولويات تستجيب لانتظارات فئات واسعة من المجتمع، شدد آخرون على أن الحكم النهائي بشأنه يظل مرتبطًا بدراسة تفاصيله، وتحديد الإجراءات العملية والآجال التي ستعتمدها الحكومة لتنفيذ التزاماتها خلال السنوات الخمس المقبلة.

وفي صفوف الأغلبية، عبر الخمار المرابط، المستشار البرلماني عن فريق الأصالة والمعاصرة، عن ارتياحه لمضامين البرنامج، معتبرًا أنه يستند إلى مرجعيات وتوجهات تهم الأولويات الوطنية، وتتقاطع مع عدد من الالتزامات التي تبنتها مكونات الأغلبية.

وسلط الضوء على مجموعة من التدابير الاجتماعية والاقتصادية التي تضمنها العرض، من بينها رفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر من 500 درهم إلى 1000 درهم، إلى جانب التوجه نحو بلوغ الحد نفسه بالنسبة إلى المعاشات، وفق ما أورده في تصريحه.

كما توقف المرابط عند التدابير المرتبطة بالتكوين وتأهيل الشباب، مشيرًا إلى استهداف ما بين 150 ألفًا و200 ألف مستفيد، في إطار الجهود الرامية إلى تحسين فرص الإدماج في سوق الشغل.

وأكد أهمية توحيد الجهود بين مختلف مكونات المشهد السياسي من أجل إنجاح البرنامج، معتبرًا أن تحقيق أهدافه يقتضي تعبئة جماعية تتجاوز الحسابات الحزبية، وتضع المصلحة الوطنية وانتظارات المواطنين في صدارة الأولويات.

من جانبه، وصف مصطفى لخصم، البرلماني عن حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، البرنامج الحكومي بأنه يتضمن نقاطًا تستحق الدعم والعمل من أجل تنزيلها، معلنًا مساندة حزبه للتوجهات التي تخدم البلاد والمواطنين.

غير أنه شدد على ضرورة ألا تظل الالتزامات حبيسة التصريحات، مؤكدًا أن موقف المساندة لا يمنع من إبداء الرأي وتسجيل الملاحظات متى تبين أن بعض الإجراءات لا تستجيب للمصلحة العامة.

وربط لخصم استمرار الدعم بتقييم ما ستقوم به الحكومة على أرض الواقع، مع التركيز على القضايا التي تهم الأقاليم والمناطق القروية.

وأبرز أن مواكبة البرنامج ستتم من خلال تتبع مدى الاستجابة للاحتياجات المحلية، مشيرًا إلى أن نجاح السياسات الحكومية ينبغي أن ينعكس بصورة مباشرة على ظروف عيش المواطنين وتحسين الخدمات المقدمة إليهم.

وفي المقابل، شدد أسامة بريك، النائب البرلماني عن المعارضة، على أن البرنامج تطرق إلى مجموعة من الملفات التي تحظى باهتمام واسع لدى المواطنين، لكنه اعتبر أن عرض الخطوط العريضة لا يكفي وحده لتكوين حكم نهائي بشأن مدى قابلية الالتزامات للتنفيذ.

وأوضح أن المرحلة المقبلة تستدعي الاطلاع على الوثيقة التفصيلية للبرنامج، وفحص الوسائل القانونية والمؤسساتية والعملية التي ستعتمدها الحكومة لتحقيق أهدافها.

وأبدى بريك اهتمامًا خاصًا بما تضمنه العرض بشأن العالم القروي، ولا سيما توسيع التغطية بالإنترنت وتبسيط مساطر البناء والتعمير، إلى جانب إدماج سكان المناطق القروية في برامج الدعم السكني.

واعتبر أن هذه الملفات ترتبط بإشكالات يومية تواجه المواطنين خارج المراكز الحضرية، معربًا عن أمله في أن تتحول الالتزامات المعلنة إلى إجراءات واضحة تستجيب لخصوصية هذه المناطق.

كما توقف النائب المعارض عند مسألة القدرة الشرائية، في ظل استمرار انشغال الأسر بمستويات الأسعار وتكاليف المعيشة، مشيرًا إلى أهمية التدابير التي تحدثت عنها رئيسة الحكومة بشأن توفير المواد الأساسية في السوق الوطنية بأسعار معقولة، وتحقيق التوازن بين التصدير وضمان تموين السوق الداخلية.

ورأى أن نجاح هذه التوجهات سيظل رهينًا بفعالية آليات التدخل وقدرتها على تحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين.

وفي ما يتعلق بمحاربة الفساد، اعتبر بريك أن إثارة هذا الملف ضمن البرنامج الحكومي تمثل نقطة تستحق الاهتمام، مستحضرًا تقديرات متداولة بشأن كلفة الفساد تصل إلى 5 مليارات دولار، من دون تقديم معطيات تفصيلية بشأن مصدر الرقم أو الفترة التي يشملها.

وشدد على أن الأهم يتمثل في تحديد وسائل المواجهة وآليات التفعيل والمحاسبة، مؤكدًا أن المعارضة ستواصل ممارسة دورها الرقابي من خلال تقديم الملاحظات والأسئلة والمقترحات الرامية إلى تحسين الأداء الحكومي.

ووصف بريك البرنامج بأنه واعد من حيث المواضيع التي يتناولها، لكنه تحفظ عن إصدار حكم نهائي بشأن نتائجه قبل الاطلاع على تفاصيله وتقييم مدى واقعية الالتزامات الواردة فيه.

كما دعا إلى منح العالم القروي مكانة واضحة ضمن السياسات العمومية، بما يضمن ترجمة الإشارات الواردة في البرنامج إلى مشاريع وإجراءات قابلة للتنفيذ، خصوصًا في المجالات التي ترتبط بالبنيات الأساسية والخدمات والتعمير.

بدورها، اعتبرت فدوى الرجواني، البرلمانية عن الفريق الاشتراكي المتواجد في الأغلبية، أن البرنامج الحكومي يتسم بالطموح والتفاؤل، ويربط بين الالتزامات الانتخابية للأحزاب المشكلة للأغلبية وعدد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية ذات الأولوية.

وأبرزت أن التشغيل والحماية الاجتماعية ومحاربة البطالة تشكل محاور أساسية في تقييم التوجهات الحكومية، إلى جانب الملفات المرتبطة بالنزاهة ومحاربة تضارب المصالح والإثراء غير المشروع.

وركزت الرجواني على أهمية إعادة الاعتبار إلى تخليق الحياة العامة وتعزيز آليات محاربة الممارسات التي تضر بالشفافية وتكافؤ الفرص، معتبرة أن هذه القضايا تحتل مكانة بارزة ضمن النقاش بشأن البرنامج الحكومي.

كما ربطت نجاح المرحلة المقبلة بقدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، وتحويل التوجهات المعلنة إلى سياسات تستجيب للانتظارات الاجتماعية وتدعم الثقة في المؤسسات.

أما أمينة ماء العينين، النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية المعارض، فدعت إلى التريث قبل إصدار تقييم نهائي بشأن البرنامج، مؤكدة أن العرض الشفوي لا يعوض الاطلاع على الوثيقة الكاملة ودراسة تفاصيلها.

وأوضحت أن فريقها البرلماني يعتزم تعميق دراسة مضامين البرنامج من أجل بناء موقف يستند إلى تحليل الالتزامات الواردة فيه، وتحديد مدى قابليتها للتنفيذ، واتخاذها أساسًا لممارسة الرقابة البرلمانية.

وسجلت ماء العينين أن العرض تضمن عددًا كبيرًا من الوعود التي تتقاطع، بحسب قراءتها الأولية، مع مطالب سبق أن دافعت عنها المعارضة.

غير أنها شددت على أن تبني الحكومة لهذه الملفات يظل مرتبطًا بمدى قدرتها على تنفيذها، معتبرة أن الاختبار الحقيقي لا يتمثل في تعداد الأهداف، بل في توضيح الإجراءات التي ستقود إلى تحقيقها والنتائج التي يمكن قياسها خلال الولاية الحكومية.

وأضافت أن كثافة الوعود الواردة في البرنامج تفرض نقاشًا تفصيليًا بشأن أولوياتها وإمكانات تنزيلها، مؤكدة أن المعارضة ستعتمد على الوثيقة الحكومية في تحديد أسئلتها وملاحظاتها ومجالات تدخلها.

ومن جهتها، أكدت ريم شباط، رئيسة الفريق الحركي بمجلس النواب المتواجد في المعارضة، أن تقديم البرنامج الحكومي ومناقشته يشكلان محطة دستورية مهمة، مشيرة إلى أن فريقها يعتزم ممارسة أدواره الرقابية والتشريعية والاقتراحية بمسؤولية وموضوعية.

واعتبرت أن الخطوط العريضة التي عرضتها رئيسة الحكومة تتضمن، في جانب منها، إعلانات عن نوايا والتزامات مستقبلية، وهو ما يجعل تقييمها مرتبطًا بما ستسفر عنه مرحلة التنفيذ.

وشددت شباط على أن دور المعارضة لا يقتصر على تسجيل الملاحظات، بل يشمل مواكبة العمل الحكومي والتنويه بالإجراءات الإيجابية عند تحققها، والتنبيه إلى الاختلالات في حال عدم الوفاء بالتعهدات.

وأكدت أن الغاية ينبغي أن تتمثل في خدمة المصلحة العامة وضمان تقدم البلاد، مع الاحتفاظ بحق البرلمان في مراقبة مدى احترام الحكومة لالتزاماتها.

وتكشف هذه المواقف، على اختلاف منطلقاتها السياسية، عن حضور سؤال التنفيذ بوصفه القاسم المشترك بين عدد من القراءات البرلمانية للبرنامج الحكومي.

فبين مساندة الأغلبية للتوجهات المعلنة، وتحفظات المعارضة بشأن تفاصيلها وآليات تطبيقها، تتجه الأنظار إلى ما ستقدمه الحكومة من إجراءات عملية وجداول زمنية واضحة، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالقدرة الشرائية والتشغيل والحماية الاجتماعية ومحاربة الفساد وتقليص الفوارق بين المجالين الحضري والقروي.

آخر الأخبار