إصلاح أسواق الجملة.. هل تنقذ الحكومة القدرة الشرائية دون التضحية بأرزاق التجار؟
يفرض ملف ارتفاع أسعار المواد الغذائية وحماية القدرة الشرائية للمغاربة نفسه بقوة على النقاش المرتبط بمشروع قانون المالية لسنة 2027، في ظل استمرار التفاوت بين الأثمان التي تُباع بها المنتجات الفلاحية عند المصدر وتلك التي تصل بها إلى المستهلك النهائي.
وأعاد هذا الوضع تسليط الضوء على اختلالات منظومة التسويق والتوزيع، خصوصا تعدد حلقات الوساطة داخل أسواق الجملة، وما تطرحه من تساؤلات بشأن الجهات التي تستفيد من الفارق السعري بين المنتج والمستهلك، في وقت تتزايد فيه مطالب الأسر بإجراءات ملموسة تحد من غلاء المعيشة.
وفي هذا السياق، تتجه الحكومة إلى إعادة النظر في طريقة اشتغال أسواق الجملة وتنظيم مسالك توزيع المنتجات الفلاحية، من خلال تقليص الاختلالات المرتبطة بالوساطة، وتعزيز الشفافية والمنافسة، وتسهيل وصول التجار إلى السلع مباشرة من مصادر الإنتاج.
غير أن هذا التوجه، الذي يُقدم باعتباره مدخلاً لإصلاح منظومة التسويق، يثير في المقابل مخاوف لدى فئات واسعة من المهنيين الذين يرون أن أي تغيير في بنية هذه الأسواق ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي والاقتصادي للأنشطة التي توفر مصدر رزق لعدد كبير من الأسر المغربية.
وفي تصريحات متفرقة لـ"الجريدة 24"، عبّر مهنيون يشتغلون داخل سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء وفي قطاع البيع بالتقسيط عن تخوفهم من أن يؤدي اعتماد شركات منظمة لتولي مهمة الوساطة بين الفلاح والتاجر إلى إقصاء فئات من العاملين الذين راكموا خبرة طويلة في هذا المجال، دون توفير بدائل واضحة لإدماجهم في المنظومة الجديدة.
واعتبر أحد المتدخلين أن الحديث عن إصلاح الأسواق لا ينبغي أن ينحصر في تغيير طريقة توزيع السلع، بل يتعين أن يشمل أيضاً مصير العاملين في مختلف حلقات التجارة، من تجار الجملة ونصف الجملة إلى أصحاب الأنشطة الصغيرة والباعة الذين يعتمدون على هذا القطاع لتأمين معيشتهم.
وشدد المتحدث ذاته على أن الأسواق المغربية لا تقتصر على التجار الكبار، بل تضم فئات اجتماعية ومهنية متعددة، من بينها أشخاص لا يتوفرون على شهادات أو تكوين مهني، ويعتمدون على العمل اليومي في نقل السلع وتجميعها وإعادة توزيعها.
وحذر من أن إلغاء هذه الأنشطة بشكل مفاجئ قد يضع عددا كبيراً من الأسر أمام وضع اجتماعي صعب، داعياً إلى التمييز بين الوسطاء الذين يساهمون فعلياً في عمليات التسويق والتوزيع، وبين الممارسات التي تقوم على المضاربة والتحكم غير المشروع في الأسعار.
وفي المقابل، لم يرفض المهنيون فكرة إحداث شركات أو آليات منظمة تربط المنتجين بالتجار، معتبرين أن هذا الخيار يمكن أن يساهم في تحسين تدبير عمليات التسويق، شريطة ألا يتحول إلى وسيلة جديدة لاحتكار مسالك التوزيع.
كما طرحوا أهمية إحداث أسواق جهوية حديثة في مدن كبرى، من بينها الدار البيضاء وسلا وأكادير ومراكش، بما يسمح بتقريب المنتجات من مناطق الاستهلاك وتخفيف الضغط على الأسواق الحالية.
غير أنهم نبهوا إلى ضرورة ضمان المنافسة الحقيقية داخل هذه المنشآت، حتى لا يؤدي استبدال الوسطاء التقليديين بجهات منظمة إلى إعادة إنتاج الاختلالات نفسها بأشكال مختلفة.
وتتقاطع هذه المخاوف مع النقاش الذي أثاره فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة المائية، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، حين دافع عن ضرورة تقنين تصدير المنتجات الفلاحية بما يضمن التوفيق بين مصالح المنتجين والمصدرين وحاجيات السوق الوطنية.
وأبرز أن المغرب تمكن من تسجيل ارتفاع في صادراته الفلاحية رغم مروره بسبع سنوات من الجفاف، في الوقت الذي تواجه فيه السوق الداخلية ارتفاعاً في أسعار عدد من المنتجات، وهو ما يستدعي، بحسب التصور الحكومي، إعادة تنظيم العلاقة بين التصدير ومتطلبات الاستهلاك الوطني، دون العودة إلى القيود الصارمة التي كانت تؤطر هذه الأنشطة.
وأكد لقجع أن التوجه الحكومي يقوم على اعتماد مقاربة تشاركية مع مختلف المتدخلين، بما يضمن توفير المنتجات الأساسية داخل السوق الوطنية بكميات كافية وأسعار معقولة، مشدداً على أن التصدير يظل نشاطاً مشروعاً ومفيداً للاقتصاد، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب حاجيات المغاربة.
كما أعلن عن توجه لإصلاح أسواق الجملة، التي يبلغ عددها حالياً 12 سوقاً، عبر تحديث بنياتها وإعادة تنظيم طريقة اشتغالها، وتمكين أصحاب المحلات من اقتناء المنتجات مباشرة من الجهات التي يختارونها، دون فرض وسطاء عليهم، إلى جانب التوجه نحو إلغاء الضريبة البالغة 7 في المائة المرتبطة بهذا المسار الإصلاحي.
ولم يقتصر تشخيص الوزير على تعدد الوسطاء، بل امتد إلى الاختلالات التي تطبع العلاقة بين مناطق الإنتاج ومناطق الاستهلاك، خصوصاً ما يتعلق بالفوترة وتكاليف النقل والتوزيع، التي لا تعكس دائماً، وفق توضيحاته، الكلفة الحقيقية لانتقال المنتجات الفلاحية.
كما استبعد أن تتولى الدولة شراء المحاصيل وإعادة بيعها عبر شركات جهوية، موضحاً أن دورها يتمثل أساساً في تنظيم هذه الحلقة وضبطها والحد من الممارسات التي تساهم في رفع الأسعار.
وبين الرهان الحكومي على تحديث منظومة التسويق وتحذيرات المهنيين من التداعيات الاجتماعية لأي إصلاح غير متدرج، يبقى التحدي الأساسي هو إحداث توازن بين خفض كلفة المنتجات وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، دون التضحية بمصادر عيش الفئات التي تشكل جزءاً من النسيج الاقتصادي للأسواق المغربية.