جدل تفويت العقارات العمومية بأثمان زهيدة للخواص يصل إلى طاولة الحكومة
عاد ملف تفويت العقارات والممتلكات العمومية لفائدة الخواص إلى واجهة النقاش السياسي والمؤسساتي، في ظل تصاعد الانتقادات بشأن الأسعار المعتمدة في عدد من عمليات البيع، ومدى تناسبها مع القيمة الحقيقية للعقارات المعنية، خصوصاً في مدينة الدار البيضاء التي شهدت خلال الفترة الأخيرة جدلاً واسعاً حول تدبير وتثمين ممتلكاتها الجماعية.
وأثار هذا الموضوع نقاشاً داخل مجلس جماعة الدار البيضاء، بعدما وجهت مكونات من المعارضة انتقادات إلى طريقة تدبير بعض عمليات التفويت، معتبرة أن عددا من العقارات المعروضة للبيع لم تبلغ أثمانها مستويات تعكس قيمتها العقارية، بل إن بعض العروض المسجلة لم تصل، وفق الانتقادات المثارة، إلى الأسعار الأولية المحددة لهذه العمليات، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات بشأن شفافية المساطر المعتمدة وضمان تكافؤ الفرص بين المستثمرين والمهتمين بالاقتناء.
ومن بين الملفات التي استأثرت باهتمام واسع في هذا السياق، قضية العقار المرتبط بفندق "حياة ريجنسي" بالدار البيضاء، بعدما أثارت المعطيات المتداولة بشأن تحديد سعر المتر المربع في حدود 1000 درهم موجة من التساؤلات والانتقادات، بالنظر إلى الموقع الذي يوجد فيه العقار والقيمة الاستثمارية والعقارية التي يمكن أن يمثلها.
واعتبر منتقدون أن هذا السعر يستدعي توضيحات بشأن الأسس المعتمدة في تحديده، ومدى استناده إلى تقييم عقاري يأخذ بعين الاعتبار مختلف الخصائص المرتبطة بالعقار.
ولم يعد النقاش مقتصراً على هذه الحالة وحدها، بل امتد إلى طبيعة المعايير التي ينبغي اعتمادها عند التصرف في الممتلكات العمومية، خاصة العقارات ذات المواقع الاستراتيجية، ومدى إخضاع عمليات تفويتها لتقييمات موضوعية ومسطرة تضمن المنافسة والشفافية وتحافظ على المصالح المالية للجماعات الترابية.
وفي سياق انتقال هذا الجدل إلى المؤسسة التشريعية، وجّه النائب البرلماني عن حزب التقدم والاشتراكية، أحمد العبادي، سؤالا شفهيا إلى الحكومة، يطالب من خلاله بتوضيح المعايير المعتمدة في تفويت العقارات العمومية لفائدة الخواص، والإجراءات التي تعتزم اتخاذها للتصدي للممارسات التي قد ترافق بعض عمليات التفويت، خصوصاً عندما تتم في ظروف تثير تساؤلات بشأن الشفافية وتحديد الأسعار.
وسلط السؤال البرلماني الضوء على إشكالية تفويت بعض العقارات العمومية في ظروف توصف بغياب الوضوح الكافي، وبأثمان تقل، بحسب ما ورد في مضمون السؤال، عن قيمتها في السوق العقارية، فضلاً عن التساؤل حول مدى احترام مساطر المنافسة وفتح المجال أمام مختلف المهتمين لتقديم عروضهم، بما يضمن اختيار العرض الأفضل ويحفظ حقوق المال العام.
كما يضع هذا الملف الحكومة أمام تساؤلات تتعلق بآليات مراقبة عمليات التفويت، ومدى ضمان خضوعها لتقييمات عقارية دقيقة ومستقلة، فضلاً عن ضرورة اعتماد مساطر واضحة تتيح الاطلاع على شروط البيع وأثمانه والجهات المستفيدة منه، تفادياً لأي اختلالات محتملة في تدبير الرصيد العقاري العمومي.
ويعيد وصول هذا الجدل إلى طاولة الحكومة النقاش حول كيفية تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار الخاص وحماية الممتلكات العمومية، باعتبارها رصيدا ماليا وعقاريا يفترض تدبيره وفق قواعد الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن عدم التفريط في قيمته أو تحويله إلى موضوع يثير شبهات بشأن تدبير المال العام.