مطالب برلمانية تتصاعد.. هل تخرج قوانين محاربة الفساد من دائرة الوعود إلى التنفيذ؟
احتل ملف محاربة الفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع حيزا واسعا من النقاش خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب، الاثنين، بعدما طالبت فرق برلمانية بتسريع إخراج النصوص القانونية المرتبطة بتخليق الحياة العامة، وتعزيز آليات مراقبة الثروة وحماية المال العام.
وتقاطعت مداخلات النواب حول ضرورة تجاوز التأخر المسجل في معالجة هذه الملفات، من خلال مراجعة قانون التصريح بالممتلكات، وإقرار ضمانات لحماية المبلغين عن الفساد، ووضع قواعد واضحة تمنع استغلال المسؤوليات والوظائف لتحقيق منافع خاصة.
وخلال المناقشة، دعا عبد المنعم الفتاحي، عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، إلى تفعيل مبدأ "من أين لك هذا؟"، مشيرا إلى أن حزب الاستقلال يطالب به منذ سنة 1961، ومعتبرا أن مواجهة اقتصاد الريع وتضارب المصالح تقتضي إجراءات تشريعية ملموسة.
وطالب بالإسراع بإخراج قانون تنازع المصالح المنصوص عليه في الفصل 36 من الدستور، إلى جانب وضع مقتضيات تجرم تسريب المعلومات بغرض الحصول على امتيازات، وتعزيز الحماية القانونية للموظفين الذين يبلغون عن ممارسات الفساد، فضلا عن مراجعة نظام التصريح الإجباري بالممتلكات.
كما دعت فدوى الرجواني، عن الفريق الاشتراكي، إلى تجريم الإثراء غير المشروع، مستحضرة المقترحات التشريعية التي سبق لفريقها تقديمها، ومعتبرة أن معالجة هذه الظاهرة باتت مطلبا أساسيا لاستعادة الثقة في العمل السياسي.
من جانبه، طالب فريق الأصالة والمعاصرة بتقوية آليات المراقبة والمحاسبة، والتصدي للاحتكار واستغلال النفوذ، وضمان تكافؤ الفرص في الاستفادة من الصفقات والموارد العمومية.
وفي رده على أسئلة النواب، أعلن عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، توجه الوزارة نحو تقديم قوانين جديدة تتعلق بالإثراء غير المشروع وتضارب المصالح وتبييض الأموال، مؤكدا استعداد الوزارة لاستيعاب المقترحات التي تقدمت بها الفرق البرلمانية والعمل على بلورة تصور تشريعي مشترك.
وكشف أنه جمع المبادرات السابقة لكل من الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال، مع إمكانية إضافة مقترحات فريق العدالة والتنمية، تمهيدا لإعداد تقرير يجمع مختلف التصورات والإشكالات القانونية المطروحة، وعرضها للنقاش داخل اللجنة البرلمانية المختصة.
وفي معرض توضيحه لموقفه من هذه القوانين، اعتبر وزير العدل أن تجريم الإثراء غير المشروع يطرح إشكالات قانونية دقيقة، ترتبط أساسا بكيفية إثبات عدم مشروعية مصادر الثروة، ومدى احترام حقوق الأشخاص المعنيين بالتحقيق.
وشدد على أن قرينة البراءة تشكل أساس المحاكمة العادلة، وأن مجرد الاشتباه في شخص أو استدعائه من طرف الشرطة أو القضاء لا يبرر التعامل معه باعتباره مدانا.
كما حذر من نشر صور المشتبه فيهم والتشهير بهم قبل صدور أحكام قضائية، مستحضرا حالات استمرت فيها المساطر القضائية خمس سنوات أو عشر سنوات قبل أن تنتهي بالبراءة، دون أن يعني ذلك بالضرورة زوال الأضرار التي لحقت بأصحابها.
كما أثار وهبي إشكالية حق المتهم في الصمت، متسائلا عن الحدود القانونية للتعامل مع شخص يطلب منه تفسير مصدر ثروته لكنه يختار عدم الإدلاء بتصريحات، مؤكدا أن الصمت لا يمكن اعتباره دليلا مستقلا على ارتكاب جريمة.
وشدد في المقابل على أن محاربة الفساد لا ينبغي أن تتحول إلى مدخل للمساس بحقوق الأفراد أو منح سلطات واسعة دون ضوابط للمؤسسات المكلفة بالمراقبة والتحقيق، معتبرا أن كل صلاحية قانونية يجب أن تقابلها ضمانات واضحة تحدد كيفية ممارستها والجهة المسؤولة عنها.
ويعيد هذا النقاش ملف تخليق الحياة العامة إلى واجهة العمل التشريعي، في ظل تقاطع مطالب الفرق البرلمانية بشأن ضرورة إخراج قوانين الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح وحماية المبلغين، مقابل تأكيد وزارة العدل أهمية توفير ضمانات قانونية تحول دون المساس بقرينة البراءة والحقوق الفردية.
وبين الدعوات إلى تشديد آليات الرقابة والمحاسبة والتحذير من مخاطر التوسع غير المنضبط في سلطات المتابعة، يبرز التحدي المطروح أمام حكومة المنصوري في تحويل الوعود والمقترحات إلى نصوص قانونية واضحة وقابلة للتطبيق، قادرة على مواجهة الفساد وصون الثقة في المؤسسات في آن واحد.