مديونية الفلاحين والجفاف والمضاربات.. ملفات بالجملة تتقاطر على وزارة الفلاحة
وجد خالد الحاتيمي، وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات والسيادة الغذائية في الحكومة الجديدة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، نفسه أمام حزمة من الملفات القطاعية والاجتماعية التي عادت بقوة إلى واجهة النقاش البرلماني، في ظل تصاعد المطالب بإعادة تقييم السياسات الفلاحية، ومعالجة الاختلالات التي تواجه المنتجين، وضمان استدامة النشاط الزراعي في مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية.
وتكشف الأسئلة الكتابية والشفوية التي وجهها عدد من البرلمانيين إلى الوزارة عن اتساع دائرة الانشغالات المرتبطة بالقطاع، بعدما امتدت المطالب من معالجة مديونية الفلاحين الصغار والمتوسطين، وتأخر صرف الدعم، إلى تحسين أوضاع الكسابة، ومحاصرة المضاربات في أسواق الماشية، وإعادة تكوين القطيع الوطني، فضلاً عن مراجعة آليات الدعم وتدبير الموارد المائية وتعزيز الأمن الغذائي.
وتتصدر مديونية الفلاحين لدى مجموعة القرض الفلاحي للمغرب قائمة الملفات التي تنتظر جواب الوزارة، بعدما أعادت النائبة البرلمانية نادية نوعم، عن فريق التقدم والاشتراكية، طرح القضية من خلال سؤال كتابي طالبت فيه بالكشف عن التدابير التي تعتزم الحكومة اتخاذها للتخفيف من الأعباء المالية المتراكمة على الفلاحين الصغار والمتوسطين، في ظل الصعوبات التي باتت تهدد قدرتهم على مواصلة أنشطتهم الإنتاجية.
وترتبط هذه الوضعية، وفق المعطيات الواردة في السؤال البرلماني، بتداعيات توالي سنوات الجفاف وضعف التساقطات المطرية، وما نتج عنها من تراجع المحاصيل وارتفاع تكاليف الإنتاج، الأمر الذي ضاعف الضغوط المالية على عدد من الفلاحين، ودفع بعضهم إلى مواجهة صعوبات في تسديد القروض المستحقة لفائدة المؤسسة البنكية المتخصصة في التمويل الفلاحي.
وتطالب النائبة الحكومة بدراسة إمكانية إعفاء المتضررين من الديون أو إسقاط الفوائد وفوائد التأخير، إلى جانب اعتماد آليات مرنة لإعادة جدولة القروض، بما يراعي الوضعية المالية للفلاحين وقدرتهم الفعلية على السداد، مع توضيح طبيعة التدخلات التي يمكن أن تباشرها الوزارة بتنسيق مع مجموعة القرض الفلاحي لمعالجة هذا الملف.
غير أن هذا البرنامج ظل موجهاً إلى مربي الماشية، وهو ما أعاد مطلب توسيع نطاق التدخلات ليشمل فئات أخرى من الفلاحين الذين تضرروا من الظروف المناخية وتراجع المردودية، وأصبحوا يواجهون صعوبات متزايدة في الحفاظ على استمرارية نشاطهم.
وفي سياق متصل، برز ملف الأوضاع الاجتماعية والمهنية للكسابة ضمن الأسئلة الموجهة إلى الوزير الجديد، بعدما طالب النائب البرلماني أحمد العبادي، عن حزب التقدم والاشتراكية، بتوضيح الإجراءات المتخذة لتحسين ظروف عيش هذه الفئة، وتمكينها من التغطية الصحية والاجتماعية، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به في الحفاظ على الثروة الحيوانية وتأمين جزء مهم من حاجيات السوق الوطنية.
ولم يقتصر النقاش البرلماني حول قطاع تربية الماشية على الجوانب الاجتماعية، بل امتد إلى الممارسات التجارية التي أثارت جدلاً واسعاً خلال المرحلة الحكومية السابقة، خاصة ما يرتبط بالمضاربات في أسواق الماشية وتعدد الوسطاء، وما يرافق ذلك من ارتفاع الأسعار واتساع الفجوة بين أثمان البيع ومداخيل المنتجين والقدرة الشرائية للمستهلكين.
وفي هذا الإطار، طالب العبادي بالكشف عن التدابير التي تعتزم الوزارة اتخاذها للتصدي للممارسات غير المشروعة داخل أسواق الماشية، والحد من المضاربات التي أثرت على توازن السوق، وأثارت انتقادات بشأن استفادة بعض الوسطاء على حساب الكسابة والمستهلكين.
وعلى مستوى إعادة بناء الثروة الحيوانية، وضع النائب البرلماني رحال المكاوي، عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، ملف القطيع الوطني ضمن أولويات المساءلة البرلمانية، مطالباً بتوضيح التدابير الجديدة الرامية إلى إعادة تكوينه وتحسين إنتاجية السلالات، مع الحفاظ على خصائصها وجودتها، بما يعزز قدرة البلاد على تأمين حاجياتها الغذائية ويحد من انعكاسات تراجع أعداد الماشية على السوق الوطنية.
كما امتدت تساؤلات الفريق الاستقلالي إلى وضعية صغار الفلاحين والكسابة، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتزايد الإكراهات التي تواجههم، حيث انصب الاهتمام على الإجراءات المرتقبة لمساعدتهم على الحفاظ على أنشطتهم الاقتصادية وتحسين مداخيلهم، فضلاً عن الاستراتيجية المعتمدة لتدبير الموارد المائية الموجهة للفلاحة، في ظل الضغط المتزايد على الفرشات المائية وتوالي التقلبات المناخية.
ومن جهة أخرى، أعاد النائب البرلماني العربي الرويش، عن حزب الأصالة والمعاصرة، فتح النقاش بشأن حصيلة السياسات الفلاحية المعتمدة خلال السنوات الماضية، من خلال سؤال كتابي أثار فيه استمرار مجموعة من الاختلالات البنيوية، رغم تعدد البرامج والاستراتيجيات ورصد استثمارات مهمة لتحديث القطاع والرفع من إنتاجيته وتحسين تنافسية المنتوجات الفلاحية.
ويركز السؤال على الصعوبات التي لا تزال تواجه الفلاح المغربي، خصوصاً في ظل توالي سنوات الجفاف وتفاقم الإجهاد المائي وارتفاع أسعار المدخلات الفلاحية، فضلاً عن محدودية استفادة بعض الفئات من الدعم والتمويل وصعوبة الولوج إلى الأسواق، وهي عوامل تطرح، بحسب مضمون المساءلة، تساؤلات بشأن مدى نجاعة الاختيارات المعتمدة وقدرتها على الاستجابة للتحولات التي يعرفها القطاع.
وطالب البرلماني ذاته بتوضيح الأسباب التي تحول دون معالجة هذه الاختلالات، وما إذا كانت مرتبطة بصعوبات التنفيذ والتدبير أو بمحدودية بعض التوجهات الاستراتيجية، داعياً إلى تقييم موضوعي للبرامج السابقة وتحديد مكامن الخلل، بما يسمح بتصحيح المسار وتحقيق نتائج تنعكس بصورة مباشرة على أوضاع الفلاحين وتعزز السيادة الغذائية الوطنية.
وفي الشمال، انتقل النقاش إلى إشكالية تأخر صرف الدعم الفلاحي، بعدما وجه النائب البرلماني عبد الخالق بسينطي، عن حزب التقدم والاشتراكية، سؤالاً بشأن مستحقات فلاحي زراعة البطاطس بإقليم العرائش، ولا سيما بجماعتي العوامرة وزوادة، الذين لا يزالون، وفق مضمون السؤال، ينتظرون الإفراج عن التعويضات المخصصة لهم برسم سنة 2025.
وتتعلق القضية بمبالغ مالية سبق أن توصل المعنيون بإشعارات رسمية بشأنها بتاريخ 2 أكتوبر 2025، غير أن صرفها ظل متأخراً، الأمر الذي أثار حالة من التذمر في صفوف الفلاحين المتضررين، بالنظر إلى انعكاسات التأخير على سيولتهم المالية وقدرتهم على تمويل المواسم الزراعية اللاحقة.
وطالب بسينطي بالكشف عن الأسباب الإدارية والمالية التي حالت دون تحويل هذه المستحقات إلى أصحابها، مع تحديد التدابير التي ستتخذها الوزارة لتسريع عملية الصرف وإنهاء حالة الانتظار التي يعيشها الفلاحون المعنيون.
ولم تتوقف المطالب عند زراعة البطاطس، إذ امتدت إلى سلاسل إنتاجية أخرى ذات أهمية اقتصادية واجتماعية، خصوصاً بإقليمي سيدي قاسم وسيدي سليمان، حيث وجه النائب البرلماني عبد النبي العيدودي، عن فريق الحركة الشعبية، سؤالاً كتابياً بشأن أوضاع منتجي الأرز وقصب السكر والشمندر السكري، في ظل الصعوبات التي تواجه هذه الزراعات.
وتشمل الإكراهات التي أثيرت في هذا الصدد ارتفاع أسعار البذور والأسمدة والمحروقات، وتراجع الموارد المائية، وتوالي فترات الجفاف، إلى جانب تراجع المردودية والصعوبات المرتبطة بتسويق المحاصيل، وهي عوامل تهدد مداخيل المنتجين وتضع استمرارية عدد من الأنشطة الفلاحية أمام تحديات متزايدة.
وتضع هذه الملفات المتشعبة وزارة الفلاحة أمام اختبار يتجاوز تدبير البرامج القطاعية المعتادة، ليشمل معالجة الاختلالات التي تؤثر على استقرار الفلاحين والكسابة، وإعادة النظر في آليات توجيه الدعم العمومي، وضمان وصوله إلى مستحقيه في الآجال المناسبة، فضلاً عن تحقيق التوازن بين مصالح المنتجين ومتطلبات السوق والقدرة الشرائية للمواطنين.