اختلالات في تزويد الأدوية تضع المنظومة الصحية تحت ضغط المساءلة البرلمانية
تتزايد التساؤلات بشأن وضعية الأمن الدوائي في المغرب، في ظل استمرار شكاوى المرضى من عدم توفر عدد من الأدوية الأساسية والحيوية، خصوصاً تلك المرتبطة بعلاج الأمراض المزمنة والاضطرابات النفسية والعصبية، فضلاً عن الأدوية الضرورية للتدخل في الحالات الاستعجالية.
وأعاد هذا الوضع ملف تزويد المؤسسات الصحية والصيدليات بالعلاجات الضرورية إلى واجهة النقاش البرلماني، بعدما بادر عدد من النواب إلى مساءلة وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بشأن أسباب الخصاص والتدابير الكفيلة بضمان استمرارية توفير الأدوية وحماية حق المواطنين في العلاج.
ولم تعد تداعيات هذا الخصاص مقتصرة على فئة محددة من المرضى، إذ تمتد إلى أسر تواجه صعوبات متزايدة في الحصول على علاجات منتظمة، سواء تعلق الأمر بأدوية السكري وأمراض القلب والاضطرابات النفسية، أو بالعلاجات التي تستدعيها بعض الحالات الصحية الحرجة. وتزداد حدة هذه الإشكالية بالمناطق القروية والنائية، حيث تتداخل صعوبة الحصول على الدواء مع محدودية الخدمات الصحية وبعد المراكز الاستشفائية، ما يضاعف الأعباء المادية والصحية على المرضى وذويهم.
وفي هذا السياق، دخل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى الأطفال ضمن الملفات المطروحة على طاولة وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بعدما وجهت النائبة البرلمانية عن حزب التقدم والاشتراكية، دنيا الزاهر، سؤالاً كتابياً بشأن الصعوبات التي تواجهها الأسر المغربية في تشخيص هذا الاضطراب والتكفل بالأطفال المصابين به.
وأثارت النائبة البرلمانية، في سؤالها الموجه إلى الوزير يونس بجيجو، إشكالية محدودية برامج الكشف المبكر، إلى جانب النقص المسجل في الأدوية المخصصة لهذه الحالات داخل الصيدليات، وارتفاع تكاليف جلسات العلاج النفسي والحركي، التي لا تستفيد نسبة مهمة منها من التعويض في إطار التغطية الصحية الأساسية.
واعتبرت أن هذه العوامل تجعل مواكبة الأطفال المصابين بالاضطراب مكلفة بالنسبة إلى أسرهم، كما قد تؤثر في مسارهم الدراسي والاجتماعي، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تدخل طبي وتربوي متواصل.
وطالبت الزاهر بالكشف عن التدابير التي تعتزم الوزارة اتخاذها لضمان تزويد السوق الوطنية بالأدوية الخاصة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بشكل منتظم، فضلاً عن إمكانية توسيع قائمة العلاجات والفحوصات المشمولة بالتعويض الصحي، بما يخفف من التكاليف التي تتحملها الأسر.
كما دعت إلى إطلاق برامج وطنية للكشف المبكر داخل المؤسسات التعليمية، بتنسيق مع القطاعات الحكومية المعنية بالتربية والتعليم، مع تأهيل الأطر التربوية للتعامل مع الأطفال الذين يعانون من هذا الاضطراب وفق مقاربات بيداغوجية مناسبة.
وفي ملف آخر لا يقل أهمية، أثار النائب البرلماني عن فريق الحركة الشعبية وضعية مرضى السكري بإقليم سيدي بنور، على خلفية شكاوى تتعلق بالانقطاع المتكرر للأدوية المخصصة لعلاج هذا المرض داخل عدد من المراكز الصحية العمومية، خصوصاً الأدوية المضادة للسكري عن طريق الفم، ومن بينها دواء "ديميكرون" (Diamicron).
وأوضح النائب أن بعض المرضى يواجهون صعوبات في الحصول على هذا الدواء منذ مدة طويلة، مشيراً إلى أن الشكاوى المتوصل بها تتحدث عن استمرار عدم توفره لأكثر من سنتين.
وتنعكس هذه الوضعية بصورة أكبر على سكان المناطق القروية، الذين يضطرون إلى التنقل لمسافات بعيدة بحثاً عن العلاج، في وقت تتطلب فيه طبيعة داء السكري انتظاماً في تناول الأدوية ومراقبة مستمرة للحالة الصحية.
ودعا السؤال البرلماني وزارة الصحة إلى توضيح الأسباب التي تقف وراء استمرار الخصاص في الأدوية المضادة للسكري بالمراكز الصحية الحضرية والقروية بالإقليم، والكشف عن الإجراءات الاستعجالية التي ستتخذها لإعادة توفيرها وضمان انتظام توزيعها على مختلف المؤسسات الصحية، تفادياً لأي انقطاع قد يؤثر في استقرار الحالة الصحية للمرضى.
وامتدت دائرة المساءلة البرلمانية إلى قطاع الصحة النفسية والعقلية، بعدما أثارت النائبة البرلمانية عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، سلمى العالمي، إشكالية عدم توفر دواء "أنافرانيل" القابل للحقن (Anafranil injectable 25 mg/2 ml)، الذي يحتوي على المادة الفعالة كلوميبرامين، ويُستعمل في بعض الحالات النفسية التي تستدعي هذا الشكل العلاجي تحت إشراف طبي متخصص.
وحذرت النائبة من أن استمرار غياب هذا الدواء يطرح إشكالات مرتبطة باستمرارية التكفل بالمرضى داخل المؤسسات الاستشفائية، ولا سيما مصالح الطب النفسي، خصوصاً الحالات التي تستدعي تدخلاً علاجياً متخصصاً ولا يكون فيها اللجوء إلى الأدوية البديلة أمراً متاحاً بالضرورة دون تقييم طبي.
وطالبت العالمي الوزارة بتوضيح الأسباب الحقيقية وراء عدم توفر هذا المستحضر في السوق الوطنية، والإجراءات التي تعتزم اتخاذها، بتنسيق مع الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، لضمان تزويد المستشفيات العمومية ومصالح الطب النفسي به.
كما تساءلت عن البدائل العلاجية المتاحة للمرضى المعنيين، والتدابير المعتمدة لتفادي انقطاع العلاج، داعية إلى وضع آلية خاصة لتأمين مخزون من الأدوية النفسية الأساسية التي قد يؤدي غيابها إلى تعريض صحة المرضى وسلامتهم للخطر.
ومن بين الملفات التي أعادت طرح إشكالية التفاوت في الولوج إلى الخدمات الصحية، وضعية ساكنة المناطق القروية والجبلية التي تواجه مخاطر لدغات الأفاعي السامة ولسعات العقارب، في ظل ما يثيره النقص في الأمصال والتجهيزات الطبية من مخاوف بشأن سرعة التدخل وإنقاذ المصابين.
وفي هذا الإطار، وجه النائب البرلماني عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، الحسين بوزحاي، سؤالاً كتابياً إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، سلط فيه الضوء على معاناة سكان المناطق النائية، خاصة خلال فصل الصيف، حيث ترتفع مخاطر التعرض للدغات الأفاعي ولسعات العقارب، وتصبح الحاجة إلى التدخل الطبي السريع أمراً حاسماً.
وأشار النائب إلى أن عدداً من المؤسسات الصحية بهذه المناطق يعاني من محدودية توفر الأمصال المضادة للسموم، إلى جانب الخصاص في الأطر الطبية المتخصصة، وخصوصاً أطباء الإنعاش والتخدير وطب السموم، فضلاً عن ضعف التجهيزات الضرورية للتعامل مع الحالات المستعجلة.
وتؤدي هذه الاختلالات، بحسب ما أورده في سؤاله، إلى اضطرار المصابين وأسرهم إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات الجهوية، وهو ما يزيد من مخاطر تدهور حالتهم الصحية، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال.
وطالب بوزحاي الوزارة بالكشف عن خطتها لتوفير الأمصال المضادة لسموم الأفاعي والعقارب بشكل كافٍ ومنتظم داخل المراكز الصحية والمستوصفات والمستشفيات الإقليمية، إلى جانب توضيح الإجراءات المرتبطة بتأهيل المؤسسات الاستشفائية بالمناطق النائية، وتعزيزها بالموارد البشرية والتجهيزات الطبية، مع إحداث وحدات فعالة للإنعاش والمستعجلات تضمن التدخل السريع وتقريب العلاج من المواطنين.
وتكشف تعدد هذه الأسئلة البرلمانية عن اتساع دائرة الانشغالات المرتبطة بتوفر الأدوية واستمرارية العلاج، إذ لم تعد المطالب تقتصر على معالجة حالات الخصاص الظرفي، بل باتت تشمل ضرورة إرساء منظومة فعالة تضمن استقرار الإمدادات الدوائية، وتحسين آليات التوزيع والتخزين، وتعزيز المراقبة والتنسيق بين مختلف المتدخلين في القطاع.