أسواق الدار البيضاء تفجر توترا سياسيا ومهنيا قبل نهاية الولاية
قبل أشهر قليلة من نهاية الولاية الانتدابية للمجالس المنتخبة، تتزايد مؤشرات التوتر داخل عدد من مقاطعات الدار البيضاء، على خلفية تداعيات عمليات هدم وإخلاء الفضاءات التجارية والحرفية، وما رافقها من مطالب بتوفير بدائل تحفظ حقوق المهنيين ومصادر عيشهم.
وفي وقت تواصل فيه السلطات جهود إعادة تنظيم المجال الحضري وتحرير الملك العمومي، عاد ملف الأسواق المتضررة إلى واجهة النقاش السياسي والمؤسساتي، وسط تباين في المواقف وتصاعد مخاوف التجار من فقدان فضاءات اشتغالهم دون حلول عملية تضمن إعادة إدماجهم.
ويبرز سوق سيدي الخدير بمقاطعة الحي الحسني ضمن أبرز نقاط هذا الجدل، بعدما أثار تداول وثيقة تتعلق بملتمس لهدمه وإعادة بنائه على شكل سوق عصري موجة من التساؤلات في صفوف التجار والمهنيين، قبل أن تتدخل مكونات سياسية ومهنية لتوضيح مواقفها من الموضوع، في ظل حساسية الملف وما يرتبط به من مصالح اقتصادية واجتماعية لعدد كبير من الأسر.
وفي هذا السياق، سارع مجلس مقاطعة الحي الحسني إلى إصدار توضيح للرأي العام، أكد فيه أن إدراج الوثيقة المتعلقة بهدم سوق سيدي الخدير ضمن ملف اجتماع مكتب المجلس الأخير لم يكن سوى خطأ مادي، يتعلق بورقة قديمة سبق التداول بشأنها خلال دورة سابقة، دون أن تفضي إلى اتخاذ أي قرار يقضي بهدم السوق.
وأوضح المجلس أن النقاش السابق حول الوثيقة انتهى بإجماع أعضائه على رفض خيار الهدم بشكل قاطع، بالنظر إلى تعارضه مع اختصاصات المقاطعة وتوجهاتها التنموية، مشددا على أن الورقة لم تكن موضوع نقطة مدرجة للتداول أو لاتخاذ القرار خلال الاجتماع الأخير، وأن إدراجها ضمن وثائقه تم عن طريق الخطأ.
وجدد المجلس، في المقابل، التزامه بالاتفاقية المصادق عليها من طرف مجلس العمالة ومجلس جماعة الدار البيضاء، المتعلقة بتأهيل سوق سيدي الخدير إلى جانب سوقي الألفة والسلك، فضلا عن الاتفاقية الثنائية المبرمة بين مجلس جهة الدار البيضاء-سطات والمجلس الجماعي، بشأن تأهيل وإصلاح سوقي السعادة وليساسفة.
وأكدت رئاسة المقاطعة حرصها على الوفاء بالتزاماتها تجاه تجار سوق سيدي الخدير وأسرهم، والعمل على تسريع تفعيل برنامج التأهيل وفق المساطر المعمول بها، معتبرة أن التأويلات التي رافقت تداول الوثيقة لا تعكس الموقف الرسمي للمجلس.
ولم يقتصر التفاعل مع القضية على المؤسسة المنتخبة، إذ دخل فرع حزب التقدم والاشتراكية بالحي الحسني على خط الجدل، من خلال بيان للرأي العام رفض فيه ما اعتبره تكرارا لمآسي تشريد التجار والحرفيين، مستحضرا تجارب سابقة شهدتها فضاءات تجارية بالمدينة، من بينها سوق دلاس والأسواق النموذجية «سومرما» ومقهى تاوفكت.
واعتبر الحزب أن إعداد الوثائق وإدراجها ضمن اجتماعات المكاتب أو اللجان والمجالس يمر عبر مجموعة من المصالح والمسؤولين، ولا يمكن اختزال الأمر في مجرد خطأ عابر، خاصة عندما يتعلق الموضوع بمصير سوق ومصادر عيش مئات الأسر، مطالبا بتوضيح خلفيات إدراج الوثيقة والجهة التي بادرت إلى ذلك، وتحديد المسؤوليات السياسية والإدارية المرتبطة بالموضوع.
وشدد فرع الحزب على أن مساندة التجار والحرفيين لا تعني معارضة التأهيل والإصلاح، وإنما الدفاع عن تنمية عادلة تحفظ كرامة المواطنين وحقوق المهنيين، رافضا تحويل مشاريع إعادة التهيئة إلى مدخل للإقصاء والتشريد. كما أكد دعمه لمطالب التجار في مختلف الأسواق والفضاءات التجارية، دفاعا عن حقوقهم ومكتسباتهم وكرامتهم، وعن مصدر رزقهم واستقرار أسرهم.
وفي موازاة هذا الموقف السياسي، أصدرت تنسيقية الائتلاف المهني لأسواق عمالة مقاطعة الحي الحسني، بتاريخ 6 نونبر 2026، بيانا تضامنيا أعلنت فيه مساندتها المطلقة واللامشروطة لتجار سوق سيدي الخدير، وباقي التجار المتضررين من قرارات الهدم والترحيل، محذرة من التداعيات الاجتماعية التي قد تترتب عن هذه الإجراءات في غياب بدائل منصفة.
ورفضت التنسيقية أي عملية هدم لا تسبقها إجراءات عملية لتوفير بديل حقيقي ومنصف، مع إشراك التجار المعنيين في اتخاذ القرارات التي تمس مستقبلهم المهني، مطالبة السلطات المحلية والجماعية بفتح حوار جاد ومسؤول مع ممثلي التجار، والكشف عن الجهة التي لها مصلحة في هدم السوق، بما يضع حدا لحالة الغموض والقلق المحيطة بالملف.
ودعت الهيئة المهنية مختلف الأسواق والجمعيات المهنية والتجارية إلى توحيد الصفوف والتضامن مع تجار سيدي الخدير، معتبرة أن القرارات التي تستهدف فضاء تجاريا واحدا تنعكس على باقي الأسواق والمهنيين، وأن الدفاع عن الحقوق والمكتسبات يقتضي موقفا جماعيا موحدا.
وأكد رئيس التنسيقية، محمد العمري، في البيان ذاته، أن الدفاع عن التنظيم وإعادة الهيكلة يجب أن يتم في إطار العدالة والإنصاف والحوار، وليس على حساب حرمان التجار من محلاتهم ومصادر رزقهم، رافعا شعار رفض الهدم دون بديل.
ويأتي هذا الجدل في سياق أوسع يتجاوز سوق سيدي الخدير، بعدما أصبحت عمليات تحرير الملك العمومي وإعادة تنظيم الفضاءات التجارية تطرح إشكالات مرتبطة بمصير آلاف المهنيين الذين وجدوا أنفسهم أمام صعوبات متزايدة في استئناف أنشطتهم، خصوصا في ظل غياب فضاءات بديلة تستوعبهم وتضمن استمرارية مداخيلهم اليومية.
وتبرز المدينة القديمة ومقاطعة الحي الحسني ضمن المناطق التي شهدت تأثر أنشطة تجارية وحرفية بعمليات إعادة التنظيم والهدم، حيث يجد عدد من المهنيين أنفسهم أمام وضعية مهنية واجتماعية صعبة، في ظل ارتباط مداخيلهم اليومية باستمرار نشاطهم التجاري.
وتعيش مقاطعة سيدي بليوط كذلك على وقع جدل كبير، بعد فشلها لحد الآن في امتصاص غضب مئات من تجار سوق البحيرة، وهو ما آثار غضب المعارضة داخل المجلس.
وخرج عدد من تجار سوق البحيرة، مؤخرا، في وقفة احتجاجية أمام مقر مقاطعة سيدي بليوط، مطالبين بإنصافهم وصرف التعويضات التي يعتبرون أنفسهم مستحقين لها.
وأكد المحتجون، في وقفاتهم الاحتجاجية، أنهم يتوفرون على وثائق تثبت ملكيتهم أو استغلالهم القانوني لمحلاتهم، غير أنهم فوجئوا، بحسب تعبيرهم، بإقصائهم من لوائح المستفيدين من التعويضات المرتبطة بعملية إعادة التهيئة التي شملت المنطقة.
وكان محمد الركاني، عضو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، قد أعاد بدوره تسليط الضوء على معاناة هذه الفئة، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027، مطالبا بإحداث أسواق نموذجية بمقاطعة الحي الحسني لفائدة نحو 4 آلاف تاجر ومهني في قطاع الصناعة التقليدية، قال إنهم فقدوا مصادر رزقهم نتيجة عمليات تحرير الملك العمومي وإعادة تنظيم المجال الحضري.
وحذر الركاني من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لاستمرار هذه الوضعية، بالنظر إلى ارتباط آلاف الأسر بالمداخيل التي توفرها الأنشطة التجارية والحرفية، مشددا على ضرورة الانتقال من إجراءات الإخلاء والهدم إلى حلول تضمن إعادة إدماج المتضررين في الدورة الاقتصادية المنظمة.
ورغم تنويهه بالمقاربة التي اعتمدتها السلطات المحلية والإقليمية في الدار البيضاء لتحرير الملك العمومي وتنظيم المجال الحضري، اعتبر البرلماني الاستقلالي أن نجاح هذه العمليات يظل رهينا بمواكبتها بإجراءات اقتصادية واجتماعية ملموسة، مؤكدا أن التجار والحرفيين لا يطالبون بامتيازات استثنائية، وإنما بفرص حقيقية لمواصلة أنشطتهم والمساهمة في الاقتصاد المنظم والوعاء الضريبي.
واقترح في هذا الإطار تخصيص بقع أرضية تابعة للملك الخاص للدولة داخل مقاطعة الحي الحسني، بتنسيق مع القطاعات الحكومية المعنية، من أجل تشييد أسواق نموذجية حديثة ومستدامة قادرة على استيعاب آلاف المهنيين، داعيا إلى توفير الاعتمادات المالية الضرورية لإنجاز هذه المشاريع وتجهيزها بالمرافق اللازمة، بما يمنع عودة الأنشطة التجارية إلى الفضاءات غير المنظمة.
وتكشف هذه التطورات عن حجم التحديات التي تواجه المجالس المنتخبة بالدار البيضاء في تدبير ملفات الأسواق وإعادة الهيكلة، خصوصا مع اقتراب نهاية الولاية الانتدابية، حيث باتت مطالب التجار والحرفيين تضع التدبير المحلي أمام اختبار التوفيق بين متطلبات التنظيم الحضري وحماية الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للفئات المتضررة.