لماذا ارتبط التداوي بالأعشاب بالدجل والشعوذة؟ – الجريدة 24

لماذا ارتبط التداوي بالأعشاب بالدجل والشعوذة؟

الكاتب : الجريدة24

13 مايو 2021 - 06:00
الخط :

ما هي الأسباب التي تدفع إلى الإقبال على الوصفات الطبية الشعبية، وما هي المخاطر الناجمة عن استعمال الأعشاب الطبية بدون أخذها من طرف أخصائيين حقيقيين؟

ينبغي أن نعرف أولا أن 15% من المغاربة فقط يتوفرون على الضمان الصحي ، ويعتبر هذا مؤشرا لا يستهان به في فهم المقاومة التي يبديها العلاج الشعبي إزاء التحولات التي يعرفها القطاع الصحي. نعرف أيضا أن المواد المتداولة في “التطبيب الشعبي” تحيل على المواد الغذائية والعلاجية المرتبطة بالتاريخ الاجتماعي العربي، وما يرتبط بذلك من فخر وحنين؛ لكل هذه الاعتبارات نلحظ نوعا من الاحترام إزاء الفاعلين في مجال “التطبيب الشعبي”.

ومعلوم أيضا أن بائع الأعشاب يبيع أيضا –بالإضافة إلى أعشاب موروثة الاستعمال الإيجابي بشكل عام- أعشاب سامة، وكثيرة هي الحوادث التي لُجِأ فيها إلى استعمال أعشاب سامة مثل أدّاد وشدق الجمل والسِّكران، والدَّفلى؛ وغالبا ما يحدث هذا في سياق الصراعات المرتبطة بالعلاقات العائلية والجنسية…

في دراسة همت بعض الأحياء الشعبية بالرباط وسلا يقر 86%  من السكان أنهم يلتجئون، ولو في ظروف محددة، إلى الاستنجاد بالأعشاب الطبية، و50% يقرون بتعاطيهم للتداوي بالأعشاب، عشرة بالمائة منهم لا يعرفون علاجا غيرها، كما أن 75% من حالات الوضع تتم داخل البيوت بمساعدة القابلات.

إن المسألة تتجاوز هنا البرامج التلفزيونية والإذاعية؛ ذلك أن التعاطي لطب الأعشاب مسألة ذات جذور أنثربولوجية عميقة، ولم يكن بإمكان الكثير من البرامج الإذاعية التي تروج للدجل والعلاجات “السحرية” التي تحل كل المشاكل –في قفز على تاريخ الطب الإنساني وتطوره المتدرج حتى ارتقى إلى ما ارتقى إليه- لولا الاستعداد النفسي والاجتماعي الحاصل عند معظم المغاربة اليوم. فلا يخفى أن المجتمع المغربي يعاني اليوم فقرا كبيرا على مستوى الثقافة الطبيعة والخبرات الكونية، إذا أضفنا إلى هذا الحنين الفطري الساذج لكل ما هو موروث في غياب أي أساس نظري أو معرفي فهمنا كيف يفعل برنامج إذاعي ذائع الصيت فعله في آلاف المواطنين الذين يفترض فيهم إتيان البيوت من أبوابها عبر استشارة الخبراء والعارفين بالميدان والأطباء المجتهدين –وليس الكسالى- وأيضا عبر تبني منهج حياة يعيش في الطبيعة ومع الطبيعة، وهذا أمر متيسر بالنظر إلى الطبيعة والتاريخ في سياق بلد كالمغرب، ولو سار الأمر على هذا النهج لكان الحال غير الحال..

لماذا ارتبط التداوي بالأعشاب بالدجل والشعوذة؟

يمكن القول أنه تندرج ضمن الطب الشعبي أو التقليدي جل الممارسات العلاجية التي لا تدخل ضمن خانة الطب البيولوجي Biomédecine، لكن مسمى الطب التقليدي يطلق في بعض الأحيان على “الطب العربي القديم. ويمكن القول أن هذا العلاج التقليدي يجمع “معرفة محلية تستند إلى استعمال الأعشاب والطقوس والممارسات الشعبية المختلفة مع إحالة دائمة على المرجعية الإسلامية. إن أهم الفاعلين في “التطبيب الشعبي” هم “العشاب” و”الفقيه” والشوافة والساحر، والقابلة والفراكة (المختصة في طب الأطفال). ولكل فاعل من هؤلاء الفاعلين أدوار محددة ضمن مجموع”الطب الشعبي بالمغرب”، كما أن هذه الهويات المختلفة ترتبط بأدوار يسندها المجتمع إليها. ويمكن القول أن من اعتبروا من طرف عديد الكتاب كباعة للمواد الطبيعية الموصوفة في وصفات “الفقيه” والساحر والشوافة يمكن أن يصفوا هم أنفسهم وصفات ل”مرضاهم”، ويقومون تبعا لذلك بأدوار مختلفة….  لكن الطب الشعبي بني في علاقته بتقاليد طبية مختلفة تتعايش وتتجاور في المغرب منها الطب التجريبي والطب العربي القديم والطب البيولوجي.. والحال أن التمفصل بين الطب البيولوجي والطب الشعبي يتميز بتعقيد شديد…

إن اسم “الطب العربي” يضم حقيقتين منفصلتين على اعتبار العصر الذي نرجع إليه : من جهة، التقليد الطبي الشعبي المعاصر والتقليد الطبي العلمي العربي، وتصر الأولى على أنها وريثة الثانية. ومعلوم أنه بعد فترة الازدهار الطبي العربي بدءا من القرن الثالث الهجري وظهور الكتابات المؤسسة في الميدان ككتب الرازي وابن سينا وابن رشد ثم كتابات ابن البيطار والأنطاكي، أصيب الطب العربي بانتكاسة بدءا من نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، وكسبت العلوم الدينية واللغوية مساحة أكبر على حساب العلوم الكونية.  ويعتبر انتشار ما يعرف ب”الطب النبوي” دليلا على القصور الذي أصاب الطب العلمي العربي في أبعاده النظرية والعملية، لكن الطب المسمى نبوي سينصهر مع ما تبقى من معرفة طبية علمية بشكل يصعب الفصل بينهما.

وجدير بالذكر هنا موقف ابن خلدون في “المقدمة” مما يسمى “الطب النبوي”، فهو يرى أن الرسول بعث هاديا وليس طبيبا للأبدان، وأن الطب المسمى نبوي ليست له أي علاقة بالطب، وإن الإيمان هو الذي ينقذ ،يقول ابن خلدون، بنفس لا يخلو من دعابة. ويؤكد أن الرسول (ص) بعث ليعلم الناس الدين، وليس الطب أو أي شيء آخر من العلوم الدنيوية…

وهناك رأي مفاده أنه على الرغم من أن “التطبيب الشعبي” يغرس بعض جذوره في مراحل ازدهار الطب العربي الكلاسيكي، فإنه يبدو اليوم شديد البعد عن منبعه، كما تتعايش ضمنه الكثير من الخبرات الصحية النابعة من مجال التجربة ومن الثقافة الشعبية.  إن أفول الطب العربي العالم سيوازيه انتشار الطب الشعبي المبني على مزيج من طقوس الطبيعة، وعلى “الطب النبوي” ونتف من عناصر الطب العربي العالِم، خصوصا في جوانبه العملية المتعلقة بأعمال اليد.

وإن “هشاشة” نظام الطب التقليدي بمجموعه نابعة من كون هذا النظام غير مدعم  بسلطة معرفة نظرية حية كما كان الأمر زمن ازدهار الطب العربي، ولا ببنيات صحة عمومية، ونظرا لاجتياح الطب الغربي إياه (…)، فإن هذا النظام أصبح مجرد تجريب، إرثا من التقليد”. وانطلاقا من نهاية القرن التاسع عشر سيتسع نطاق تأثير الطب الغربي في العالم الإسلامي على حساب الطب العربي القديم الذي فقد في الوقت الراهن أسسه النظرية والمرجعية الأصلية، لقد سقط في التجريبية المفصولة عن الأساس النظري حتى صار اليوم “معرفة مشتتة، وغير كثيفة تحملها الكتلة البشرية المستعملة لها”، والملاحظ أن هذا الطب بالمغرب يعيش اليوم فورة وانتشارا على نطاق واسع؛ إن هذه القراءة التحليلية تجعلنا ندرك بعض عناصر التداخل بين العلاج الشعبي والسحر والشعوذة…

لقد غدت ظاهرة التداوي بالأعشاب تجارة واسعة الانتشار، ولقد انبرى للخوض فيها أناس يدعون إحاطتهم بعلم الأعشاب وخصائصها، كيف يمكن التمييز بين المدعين وبين مالكي ناصية هذا العلم؟ وكيف يمكن التمييز بين العشاب المتمكن ومدعي “معرفة علم الأعشاب” ؟

يعرف مجال الأعشاب الطبية  تقدما مطردا، نتيجة الإمكانيات العلمية المتوفرة في ميدان الكيمياء العضوية والفيزيولوجيا النباتية وعلم التصنيف النباتي، بالإضافة إلى الدراسات الإثنو-نباتية ethnobotanique التي تكتشف استعمالات جديدة للأعشاب في مناطق مختلفة بعد إخضاعها لدراسات علمية وإكلينيكية، بما يعني أن العلاج الطبيعي لم يعد ميدانا ثانويا بل يقع في قلب العلاج المعاصر.

ما هي رواسب الاستخدام غير المنضبط للأعشاب ؟ وكيف يمكن التعامل مع الأعشاب واستخدامها على الوجه السليم ؟ وما هي أبرز الأفكار الخاطئة بخصوص استعمالات الأعشاب الطبية؟

أول أمر وجب تجنبه هو معرفة ما يستهلكه الإنسان من أعشاب، فلا يعقل أن يجد الناس خلطات مجهولة الاسم تباع في الشوارع، وفي الأسواق وبقرب المساجد فيقتنوها من أجل الاستهلاك لمجرد أنهم سمعوا عنها ! ولا يعقل أن يتلقف  الناس “وصفات سحرية تعالج كل شيء” من البرامج الإذاعية، ويتعاطونها في تحقير لأنفسهم وظلم لأجسادهم ونفوسهم؛  إن هذا يشكل خطرا كبيرا على الصحة العامة.

أمر آخر يتجلى في كيفية تحضير الناس للأعشاب، لأنه حتى لو كانت الوصفة سهلة ومشهورة وفعالة بحكم التجربة والتاريخ والمعرفة العلمية، فإن كيفية استعمالها تؤثر بشكل كبير في الفعل العلاجي. كثير من الناس مثلا يقومون بطهي الأعشاب العطرية مثل الزعتر والخزامى والزعيترة والزنجبيل والقرفة بينما لا تحتاج هذه الأعشاب –المفيدة بحق في الحياة الصحية والغذائية اليومية- إلا إلى صب الماء المغلي فوقها وتركها مدة 15 إلى 20 دقيقة، ثم تشرب بعد التصفية بجرعات لا تتجاوز 20 غراما في اللتر الواحد؛ وبهذا تتحصل فائدتها بشكل كبير عكس الاستعمال الخطأ الذي يعتبر شائعا في الثقافة المغربية. والأدهى من ذلك أن بعض باعة الأعشاب ينصحون الناس بذلك، وهم لا يفرقون بالطبع بين الطهي décoction والاستحلاب infusion. إن هذا الأمر البسيط في ظاهره يترتب عليه عمل كبير، وقس على هذا العديد من الأخطاء الأخرى التي تعتبر من الرواسب التي وجب القطع معها؛ والقاعدة العامة التي وجب تطبيقها هي معرفة ما يستعمله الناس من أعشاب، وحسن اختيارها من حيث الطراوة والجدة والنقاء، وحسن التحضير بما ينسجم مع خصائص النباتات ليعم نفعها وتتجنب أضرارها.

المزج في العلاج الطبيعي ممكن ومفيد، غير أنه  لا يتم بأي طريقة كانت. القاعدة الأولى أن جمع عديد النباتات ذات خصائص متشابهة للحصول على فعل علاجي أنجع، فكرة خاطئة. مثلا معظم البذور المنتمية إلى عائلة الخيميات ombellifères تمتاز بخصائص مضادة للغازات ومضادة للأكسدة، لكن الوصفة المثالية لمحاربة الغازات المزمنة هي الاكتفاء بخلط بذور البسباس (النافع) وحبة حلاوة والكروية، لأن هذه الوصفة مدروسة ومجربة وفوائدها معلومة، ولا طائل من وراء إضافة أعشاب أخرى للخلطة من أجل الزيادة في المفعول، بل يمكن أن يؤدي هذا إلى نتائج عكسية، وقس على هذه القاعدة.

القاعدة الثانية هي أن لا يتم خلط أعشاب متضاربة في مفعولها كخلط عرق السوس réglisse مثلا مع قوق مريم chardon marie، لأن هذا يؤدي إلى اضطرابات على مستوى الضغط الدموي…

القاعدة الثالثة هو مراعاة بينة الخلطة من حيث الانسجام، فلا ينبغي خلط مراد مائية مع مواد زيتية بدون وجود المازج émulsifiant لأن ذلك معناه فشل الوصفة العلاجية. وعلى كل حال فهذا المبحث النبيل يندرج ضمن “التحضيرات الجالينوسية” préparations galéniques التي يمكن تبسيط بعض جوانبها حتى تصبح نوعا من الثقافة العامة، حينها سيبدو الطب الطبيعة بشكل مختلف على ما هو عليه اليوم..

المعيار الأول لممارسة المهنة هو الإخلاص وحب الميدان، هذه مسألة حاسمة، لأنني لا أفهم كيف يلتجأ من فشل في كثير من أمور الحياة لضعف بنيوي فيه، إلى اتخاذ ميدان الأعشاب كمهنة ! وحقيقة الحال أن ميدان الأعشاب الطبية يحتاج إلى كثير من المقومات أجملها فيما يلي :

مستوى دراسي محترم، إن لم يكن بمسار جامعي فليكن بعصامية وتفان في التحصيل، بما يعني امتلاك المعلومات الأساسية في علم النبات والقدرة على التمييز المنهجي بينها، وخصائصها العلاجية، ودرجة سمّيتها، وطرق تحضيرها والجرعات المسموح بها

تحصيل الضروري من العلوم المتعلقة بجسم الإنسان والأمراض الشائعة، والتفريق بين البكتيريا والفيروس والفطريات، وبعض المبادئ الأساسية في البيولوجيا الطبية كبعض المؤشرات التحليلية الدالة على الأمراض؛ هذا لا يعني التعمق في هذه العلوم لأن لها المختصون بها، إنما قصدنا فتح أعين الممارسين للعلاج الطبيعي على هذه العوالم الشديدة الأهمية.

التكوين المستمر في علم النبات الطبي عبر المشاركة في الدروس النظرية والورشات التطبيقية في مجال التحضيرات الجالينوسية préparations galéniques والخرجات الميدانية.

وأعتقد أن يتبع هذا المسار لا شك سيرتبط بالميدان أكثر، وتصبح النباتات بالنسبة إليه مسألة وجودية وإنسانية، وهذا أدعى إلى تطوير الميدان والنهوض به والإسهام في الصحة العامة والتخفيف على الناس.

بأي شكل أو هيأة يجب إعطاء العشب للمريض، وما هي الأضرار الناتجة عن التجاوز في استعمال المقادير المسموح بها ؟ وما هي أهم  الخصائص والأضرار الجانبية التي يمكن تنتج عن أبرز الأعشاب والمواد الطبيعية التي يستعملها المغاربة بكثافة، الحلبة، الشانوج، الحرمل، القرنفل، الزعتر، تميجة، الحناء… وباقي الأعشاب الأخرى؟

يتبين مما سبق أن علم “تقديم الوصفات” علم متقدم وراق، وعلى كل معالج طبيعي أن يلم بالضروري من هذا العلم. بالإضافة إلى مشكل الجرعات؛ فليس كل إضافة في الجرعة معناه زيادة في نسبة العلاج والدليل على هذا علم العلاج بالتماثل homéopathie  الذي يعتمد على جرعات جد قليلة.

أما طرق تقديم الوصفات للمرضى فمتعددة، لكنها تختلف باختلاف الأعشاب والأمراض، منها، الطهي (بشكل نادر) والاستحلاب والنقع الكبسولات المعبأة بدقيق الأعشاب، والزيوت الطيارة والزيوت الثابتة، والصبغة الأم، إلخ..

ولعل اكتساح الأدوية الكيماوية للعالم وما خلفته من أضرار جانبية حقيقية على صحة الإنسان، باعتبارها في نهاية المطاف”مواد ميتة” تخترق أجساما حية، فلا يبلغ التفاعل مداه، وتبدأ التأثيرات السلبية في الظهور مُعلِنة عن فقدان الجسم لتوازنه الأصلي ومؤذنة باختلال عام في الصحة العامة، لعل هذا يجعل العودة اليوم إلى الطبيعة مطلبا إنسانيا وحضاريا، وتأكيدا على أن الجسم الحي يتفاعل مع المادة الحية المبثوثة في الكون. والقضية هنا ليست طرح موضوع الأعشاب الطبية والعلاج الطبيعي كنافٍ لغيره من العلاجات، وإنما تأكيد علمي ومنهجي على ضرورة عودة الوفاق بين الإنسان والطبيعة من أجل حفظ الصحة العامة، وحفظ الذات الإنسانية والنوع الإنساني، ومدهما بأسباب البقاء والقوة.

كل هذا يعني أن طب الأعشاب اليوم في قمة الازدهار وينبغي على الناس من كافة الأطياف الانخراط في هذا التقدم عبر التواصل والتعلم والاستشارة والتفاني في العمل، وكل ما بني على العلم والإتقان استمر، وكل ما بني على جهل اضمحل واندثر، “فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”..

و يفترض اليوم في المغاربة أن ينخرطوا في الازدهار الذي يعرفه مجال الطب الطبيعي في العالم، وهم مؤهلون لذلك، إذا ما توفرت العزائم، لأن تاريخهم في الميدان وإمكانياتهم الطبيعية لا تترك لهم عذرا في عدم التألق في هذا الميدان الذي يساهم في إسعاد الناس…

آخر الأخبار