قطاع الإيجار السياحي في المغرب بين فوضى الأسعار وغياب التأطير القانوني
يتجدد الجدل في المغرب كل موسم صيفي حول فوضى كراء الشقق والفيلات المفروشة، في ظل انفلات واضح لهذا القطاع الذي يعيش خارج الضوابط القانونية، مما يفتح الباب أمام عشوائية غير مسبوقة في مدن سياحية كبرى كأكادير ومراكش وطنجة والرباط ومدن الشمال.
ومع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الإقبال على السفر الداخلي، تتحول هذه المدن إلى فضاءات مفتوحة للكراء المؤقت، وسط غياب التأطير القانوني والرقابة الضريبية والأمنية اللازمة.
خلال فصل الصيف الحالي، عادت هذه الظاهرة إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما بدأت تخلف آثارًا اجتماعية واقتصادية مقلقة، لا سيما على المواطنين الذين يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على إقامة سياحية بأسعار معقولة.
هذا الوضع لم يمر دون أن يلفت انتباه البرلمان، حيث أثار النائب البرلماني عزيز اللبار، خلال جلسة الأسئلة الشفوية المنعقدة في يونيو الماضي، خطورة استمرار هذا القطاع في الاشتغال بشكل غير منظم. وأشار اللبار إلى أن أغلب عمليات الكراء السياحي تتم حاليًا عبر تطبيقات إلكترونية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الإعلانات المنتشرة بشكل عشوائي على الجدران وأعمدة الكهرباء، دون أي مراقبة أو تتبع.
ويؤكد البرلماني ذاته أن هذه الظاهرة تزداد حدتها في فصل الصيف، ما يفاقم أزمة السكن في عدد من المدن، داعيًا إلى تدخل حكومي عاجل لوضع إطار مؤسساتي قادر على ضبط هذا النشاط.
واعتبر أن تحقيق مراقبة أمنية فعالة، إلى جانب فرض ضريبة عادلة على هذا النوع من الكراء، أصبح أمرًا ضروريًا، خاصة أن هذه الأنشطة تدر أرباحًا كبيرة على أصحابها دون أن تنعكس بشكل إيجابي على الخزينة العامة أو تساهم في الجهود الجبائية للدولة.
في السياق ذاته، يشهد السوق قفزة غير مسبوقة في الأسعار، مستفيدة من زيادة الطلب مقابل غياب العرض المنظم. وتتراوح أثمنة كراء الشقق المفروشة في بعض المدن ما بين 300 و1000 درهم لليلة الواحدة، بينما تصل أسعار الفيلات أحيانًا إلى ما بين 1500 و3000 درهم لليلة، بحسب موقع الوحدة السكنية ومميزاتها.
هذه الأسعار المرتفعة تثير سخط المواطنين الذين يجدون أنفسهم مجبرين على القبول بالأمر الواقع، دون حماية قانونية أو رقابة على جودة الخدمات المقدمة.
واشتكى العديد من المستهلكين عبر مواقع التواصل الاجتماعي من أن الأسعار المطروحة في السوق لا تتناسب مع القدرة الشرائية للأسر المغربية، مما يجعل قضاء عطلة صيفية حلمًا بعيد المنال بالنسبة إلى شريحة واسعة من المواطنين.
إلى جانب إشكالية الأسعار، يواجه المستأجرون معضلة أخرى تتعلق بغياب العقود القانونية التي تضمن حقوق الطرفين.
فغالبًا ما يتم الاتفاق شفهيًا أو عبر دفع مسبق من دون أي وثيقة تثبت العملية، ما يفتح المجال أمام العديد من المشاكل القانونية والنزاعات بين أصحاب الوحدات المفروشة والمستأجرين.
ورغم أن هذه الشكاوى تكررت في السنوات الأخيرة، إلا أن التأطير التشريعي لا يزال غائبًا، ما يجعل الوضع مفتوحًا أمام المزيد من التجاوزات.
المعارضة البرلمانية، بدورها، طالبت أكثر من مرة بتدخل حكومي حازم لوضع حد لهذا الوضع الذي وصفته بغير المقبول. ونبهت إلى أن استمرار القطاع في العمل بشكل غير مهيكل يشكل بيئة خصبة لعمليات النصب والاحتيال، بالإضافة إلى تهرب أصحاب الوحدات من التصريح بمداخيلهم الضريبية.
ودعت المعارضة إلى فرض ضريبة عادلة تشمل أنشطة الإيجار السياحي المؤقت، معتبرة أن هذا الإجراء من شأنه توسيع الوعاء الضريبي وتحقيق قدر من العدالة الجبائية، لا سيما أن القطاع يدر أرباحًا مهمة لكنه لا يساهم في تمويل المشاريع الكبرى التي تطلقها الدولة في مجالات السياحة والبنية التحتية والخدمات.
في هذا الإطار، يرى أحمد بيوض، الرئيس المؤسس لجمعية "مع المستهلكين"، أن الفوضى الحاصلة في تسعير كراء الشقق والفيلات لا تعكس بالضرورة جودة الخدمة أو موقع الوحدة السكنية، بل تخضع لمنطق العرض والطلب غير المنظم.
وأكد في تصريح لـ"الجريدة 24" أن المستهلك المغربي يظل الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، حيث يتعرض للغش وسوء المعاملة في غياب إطار قانوني يلزم أصحاب الوحدات المفروشة باحترام معايير محددة تضمن حدًا أدنى من الجودة. وطالب بيوض بتقنين هذا القطاع بشكل عاجل، بما يحفظ حقوق المستأجرين، ويمنع التلاعب بالأسعار، ويضمن شفافية المعاملات.
وشدد بيوض على ضرورة فرض تراخيص رسمية على المالكين والوسطاء والمنصات الرقمية، مع إخضاعهم لمراقبة دورية من قبل السلطات المختصة، لضمان حماية المستهلك، وتنظيم العلاقة بين العرض والطلب بشكل متوازن.
كما أشار إلى أن تنظيم هذا المجال لن يخدم فقط المواطن المغربي، بل سيساهم أيضًا في تعزيز جاذبية الوجهات السياحية المغربية لدى السياح الأجانب، ما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني.
في ظل هذا الوضع، تتصاعد الدعوات إلى تدخل حكومي مستعجل لضبط قطاع الإيجار القصير الأجل، خاصة في المواسم السياحية التي تعرف فيها المدن الكبرى ضغطًا مرتفعًا على السكن والخدمات.
ويظل الرهان الأساسي اليوم هو إيجاد رؤية متكاملة تضمن تنظيم القطاع بشكل يحفظ حقوق المستهلكين، ويحقق العدالة الضريبية، ويساهم في التنمية السياحية وفق إطار قانوني واضح يضع حدًا للفوضى الحالية.