هل بات الدعم الاجتماعي المباشر يُعطل سوق الشغل؟

الكاتب : انس شريد

02 July 2025 - 06:30
الخط :

عاد ملف البطالة إلى واجهة النقاش السياسي والاجتماعي بالمغرب، بعد أن طرح عدد من نواب البرلمان انتقادات حادة للحكومة بشأن تعاطيها مع الأزمة المتفاقمة، مطالبين بإيجاد حلول مستعجلة قادرة على تخفيف حدتها، في وقت تتهم فيه فرق المعارضة السلطة التنفيذية بالفشل في الوفاء بوعودها المتعلقة بتوفير فرص الشغل، وتحقيق التوازن بين التمكين الاجتماعي والعدالة الاقتصادية.

في عرض قدمه أمام لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب، الأربعاء 2 يوليوز 2025، أقر وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، بوجود صعوبات موضوعية تعيق جهود الإدماج المهني ومحاربة البطالة، مؤكداً أن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، رغم طابعه التضامني، يفرز تحديات غير متوقعة، أبرزها إحجام عدد من المستفيدين عن الانخراط في سوق الشغل المهيكل، خشية فقدانهم للمساعدات المالية التي يتلقونها بانتظام.

وأشار الوزير إلى أن فئة مهمة من العاطلين تفضل الاشتغال في الاقتصاد غير المهيكل، بأجور يومية تصل إلى 23 درهماً في الساعة، دون الخضوع للتسجيل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما يشكل عائقاً كبيراً أمام جهود تنظيم سوق الشغل، ويؤثر سلباً على الاقتصاد الوطني من حيث الإنتاجية والاستقرار الجبائي والاجتماعي.

السكوري أوضح أن هذه الوضعية تضغط على المقاولات المحلية، التي تجد صعوبة في توفير موارد بشرية تلتزم قانونياً، وهو ما يتسبب في تعطيل بعض الاستثمارات، مضيفاً أن عدداً من المعامل، خاصة في مناطق صناعية كبرشيد، تعاني خصاصاً مهولاً في اليد العاملة رغم توفر فرص الشغل، بسبب تفضيل الشباب البقاء قرب أسرهم في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، كمناطق الرحمة بالدار البيضاء، ورفضهم التنقل إلى مدن أخرى ذات طابع صناعي.

ورغم تأكيده على تسجيل انخفاض نسبي في معدل البطالة وطنياً خلال الفصل الأول من السنة الجارية، وخلق حوالي 300 ألف منصب شغل، منها 282 ألف منصب صافٍ بحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، إلا أن الوزير شدد على أن الواقع المجتمعي لا يعكس بالضرورة هذه المؤشرات، معتبراً أن هناك فجوة قائمة بين الأرقام الرسمية وسلوك الأفراد في الأحياء الشعبية، حيث يغلب منطق الراحة القريبة على أولوية التشغيل ولو كان مؤقتاً.

وأكد أن خارطة الطريق الحكومية الجديدة في مجال الشغل توصلت إلى خلاصات مفصلية، أهمها أن التصدي للبطالة يستوجب بالضرورة مراجعة مدونة الشغل، بما يسمح بتكييف مقتضياتها مع التحولات الحاصلة في سوق العمل، خصوصاً في ما يخص الفئات غير المؤهلة أكاديمياً أو الحاصلة على شهادات متدنية، والتي ترفض الاندماج في سوق الشغل المهيكل إذا لم تكن الأجور محفزة ومواقع العمل قريبة.

وشدد الوزير على أن معالجة الهدر المدرسي باتت أولوية حكومية لا تقل أهمية عن ورش الشغل، كاشفاً عن أن عدد المستفيدين من برنامج “الفرصة الثانية” لا يتعدى 20 ألف شاب حالياً.

داعياً إلى مضاعفة الجهود لتوسيع مدارس هذا البرنامج، بهدف استيعاب أكبر عدد من المنقطعين عن الدراسة، وتوجيههم نحو التكوين المهني أو استئناف المسار الدراسي، في إطار تصور مندمج يحارب البطالة من جذورها.

وأكد الوزير أن الحكومة تتجه نحو توسيع التكوين بالتدرج المهني، من 31 ألف مستفيد سنوياً إلى نحو 100 ألف، ورفع قيمة الدعم المالي الموجه لهؤلاء إلى 5000 درهم، مع تقليص مدة التكوين مراعاة للظروف الاجتماعية للفئات المستهدفة، داعياً المقاولات إلى الانخراط في هذه المنظومة، عبر احتضان المتدربين وتأهيلهم حسب حاجياتها الاقتصادية.

كما أعلن المسؤول الحكومي عن مسار لإعادة هيكلة الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، قصد تمكينها من لعب أدوار أكبر في الوساطة التشغيلية، خصوصاً لفائدة الشباب غير الحاصلين على شهادات، عبر تعزيز نموذج الشراكة مع أزيد من 50 ألف مقاولة، ووضع نظام مندمج لتأطير الباحثين عن الشغل.

وفي سياق مرتبط، دعا السكوري إلى مراجعة مدونة الشغل بما يلائم متغيرات سوق العمل الجديد، مؤكداً أن النص الحالي يتضمن مقتضيات “غير قابلة للتطبيق” على بعض المهن الحديثة، مثل العاملين بمنصات التوصيل والعمل عن بُعد.

كما شدد على ضرورة توسيع الحماية القانونية لتشمل العمال الهشة أو المهمشة، وعلى رأسهم حراس الأمن الخاص، بما يحقق التوازن بين حماية الأجراء ومتطلبات الاقتصاد المعاصر.

من جهتهم، اعتبر نواب برلمانيون أن أزمة البطالة في المغرب مركبة، وتفاقمت بسبب تداخل عدة عوامل، منها تداعيات جائحة كوفيد-19، التي عطلت سلاسل الإنتاج وتسببت في فقدان مناصب شغل بالجملة، إلى جانب آثار الجفاف المستمر منذ أزيد من ست سنوات، وارتفاع مستويات التضخم المستورد، رغم الجهود الحكومية المبذولة.

وطالب البرلمانيون بإدماج القطاع غير المهيكل ضمن الدورة الاقتصادية الرسمية، وإعادة النظر في السياسات الجبائية المطبقة على المقاولات الصغيرة، وتكثيف دعمها المالي والإداري، مؤكدين أن محاربة البطالة تتطلب كذلك تعزيز الاستثمار العمومي، من خلال الرفع من عدد المناصب المالية المحدثة، وتوجيهها نحو القطاعات التي تستوعب أكبر عدد من اليد العاملة.

وسط هذه التحديات، يبقى ملف البطالة من أكثر القضايا استعصاءً على الحل، بسبب طبيعته المركبة، وحاجة معالجته إلى مقاربات مندمجة تأخذ بعين الاعتبار البعد الاقتصادي، والتربوي، والثقافي، والاجتماعي، في آنٍ واحد.

آخر الأخبار