صراع الكراسي في الانتخابات الجزئية.. الأحرار والاستقلال يتصدران والبيجيدي يواصل النزيف
شكلت الانتخابات الجماعية الجزئية، التي عرفتها مجموعة من الجماعات الترابية بالمغرب مؤخرا، محطة سياسية حاسمة ضمن مسار إعادة تشكيل موازين القوى على المستوى المحلي، خصوصاً في ظل الصراع المحتدم بين أحزاب الأغلبية الحكومية، وفي طليعتها حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال، من جهة، وأحزاب المعارضة وعلى رأسها العدالة والتنمية، من جهة أخرى.
هذه الانتخابات التي جرت في 81 دائرة انتخابية، كشفت عن تحولات ملموسة في المشهد المحلي، وعمّقت من أزمة بعض الأحزاب التي تراجع حضورها الميداني والسياسي بشكل لافت.
وتصدر حزب التجمع الوطني للأحرار المشهد دون منازع، حيث فاز بـ22 مقعداً من أصل 33 دائرة ترشح فيها، أي ما يعادل ربع المقاعد المتنافس عليها، على الرغم من مشاركته في ثلث الدوائر فقط.
واحتل حزب التجمع الوطني للأحرار صدارة نتائج الانتخابات الجزئية، متقدماً على حزب الاستقلال الذي حلّ في المرتبة الثانية، يليه حزب الأصالة والمعاصرة في المركز الثالث.
ورغم أن الأحرار لم يقدّموا مرشحين سوى في نحو ثلث الدوائر (33 من أصل 81)، فقد تمكن الحزب من الفوز بـ22 مقعداً، أي ما يعادل ربع مجموع المقاعد المتبارى حولها، في مؤشر واضح على استمراره في توسيع نفوذه الانتخابي.
في المقابل، عجزت أحزاب المعارضة مجتمعة عن بلوغ عتبة ربع المقاعد، ما يعكس تراجعاً واضحاً في حضورها المحلي.
وكان حزب العدالة والتنمية أبرز الخاسرين، بعد أن فقد مقعدين اثنين، أحدهما لصالح التجمع الوطني للأحرار في سيدي قاسم، والثاني لفائدة الأصالة والمعاصرة، فيما لم يتمكن سوى من الحفاظ على مقعدين سبق أن ظفر بهما في استحقاقات 2021.
في جهة سوس ماسة، ظهر حزب التجمع الوطني للأحرار كقوة انتخابية أولى، حيث فاز بخمسة مقاعد من أصل ستة متبارى حولها، موزعة على جماعات ترابية بتارودانت وتيزنيت، ما عزّز موقع الحزب في الجهة التي تشكل إحدى خزاناته الانتخابية الأساسية منذ انتخابات 2021.
ورأى متابعون أن فوز الأحرار في دوائر قروية مثل سيدي موسى وسيدي بوعل وتابيا، يعكس استمرار الثقة في مرشحي الحزب، رغم الانتقادات التي تلاحق أداء الحكومة التي يقودها.
ولم يكن حزب الأصالة والمعاصرة بعيداً عن مشهد الهيمنة، إذ تمكن من الفوز في عدد من الجماعات، أبرزها جماعة السحتريين بإقليم تطوان، إلى جانب جماعات أخرى، ما يرسّخ حضوره كلاعب محوري داخل الأغلبية الحكومية، ويمنحه زخماً تفاوضياً داخل التحالف الثلاثي الذي يضم أيضاً الاستقلال والأحرار.
من جهته، حافظ حزب الاستقلال على قاعدته المحلية في بعض المناطق، وحقق اختراقاً واضحاً في جماعات كجماعة رأس الماء، التي فاز فيها بمقعدين اثنين بفارق مريح عن منافسيه، وكذا في جماعة الساحل بالعرائش، حيث تقدم بفارق واضح على مرشح "البام"، إضافة إلى فوزه الحاسم بجماعة المنيزلة في تارودانت الجنوبية، رغم المنافسة الشرسة مع "الأحرار"، وهي مؤشرات تؤكد بقاء الحزب ضمن مربع القوة، رغم عدم تصدره للمشهد العام.
وبينما توزعت المقاعد المتبقية بين الاتحاد الاشتراكي، الذي فاز في جماعات كزايو ووادي لو، وفيدرالية اليسار في بعض الدوائر القليلة، يبقى حزب العدالة والتنمية، أبرز المتضررين من نتائج هذه المحطة، بعدما فقد معاقله في سيدي قاسم وتطوان، مقابل حفاظه فقط على دائرتين من أصل أربع كان يشغلها.
وفشله في استرداد مقاعد سابقة يزيد من تأكيد العزلة السياسية التي يعيشها منذ سقوطه المدوي في انتخابات 2021.
اللافت في هذه الجولة الانتخابية، هو نسبة المشاركة التي وُصفت بالمحدودة، إذ لم تتجاوز في عدد من الجماعات عتبة 20%، وسط مؤشرات عزوف واضحة، خصوصاً في المدن والمناطق الحضرية، مقابل مشاركة أوسع في المناطق القروية، حيث ما تزال الولاءات العائلية والقبلية تلعب دوراً محورياً في تحديد نتائج الاقتراع.
كما سُجلت حالات تنافس انفرادي في بعض الدوائر، كما حدث مع مرشحة الأحرار سميرة القاسمي في جماعة بني عروس، التي فازت بالتزكية لعدم وجود منافس، في مشهد يعكس هشاشة التعددية في بعض المناطق.
على مستوى جهة فاس-مكناس، سجل "الأحرار" حضوراً متميزاً، منتزعاً مقاعد في جماعات بوهودة، المنزل، وأولاد الطيب، وهو ما اعتبره أنصاره دليلاً على "استمرار مسار الثقة"
الانتخابات الجزئية التي جرت في الدائرة رقم 6 بجماعة تفضنة شكلت بدورها نموذجاً على شدة التنافس، حيث فاز مرشح الأحرار بفارق صوتين فقط عن الاتحاد الاشتراكي، ما يعكس تقارباً كبيراً في الوزن الانتخابي المحلي، في مشهد نادر نسبياً في خريطة انتخابية تعرف غالباً اكتساحات أو فوارق واسعة في الأصوات.
في المقابل، لوحظ غياب تام لعدد من الأحزاب السياسية عن التنافس في عدد من الدوائر، ما يعكس ضعف جاهزيتها التنظيمية، ويطرح أسئلة مقلقة حول مستقبلها السياسي، خصوصاً في ظل تسارع الترتيبات المتعلقة بالاستحقاقات البرلمانية والجماعية القادمة.
وتُظهر الخريطة الجديدة للتمثيلية، أن المشهد الحزبي المغربي يتجه نحو مزيد من الاستقطاب، مع تعزيز للقطبية بين الأحزاب الحكومية وتراجع مستمر في أداء المعارضة.
من جانب آخر، لم تكن نسب المشاركة في هذه الانتخابات الجزئية مرتفعة، حيث وُصفت في عدد من المناطق بـ"المحدودة"، مما يعكس استمرار حالة الفتور السياسي لدى فئات واسعة من المواطنين، التي مازالت مترددة في الانخراط في العملية الانتخابية، إما بسبب غياب الثقة أو بسبب عدم اقتناعها بالبدائل المطروحة.
ومع اقتراب موعد الاستحقاقات العامة المقبلة، تبدو الانتخابات الجزئية التي جرت مؤخراً بمثابة "بروفا سياسية" كشفت بوضوح مواقع القوة والضعف داخل الخارطة الحزبية، ورسمت ملامح تحولات محتملة في موازين القوى محلياً.
كما أنها وجّهت رسائل مهمة للفاعل السياسي حول ضرورة تجديد النخب، وتقوية البرامج الموجهة للمواطنين، في ظل تصاعد المطالب المجتمعية المرتبطة بالتنمية والعدالة المجالية.
وبين مدّ الأحرار، وثبات الاستقلال، وتراجع البيجيدي، وتشتت المعارضة، يبقى المواطن المغربي هو الرهان الأهم في معادلة التغيير.