المدينة القديمة تعيد رسم ملامحها.. الجرافات تمهد الطريق لحلم "المحج الملكي"

الكاتب : انس شريد

14 July 2025 - 10:30
الخط :

تعيش المدينة القديمة للدار البيضاء منذ صباح اليوم على وقع تحولات عمرانية كبيرة، بعدما باشرت السلطات المحلية، مدعومة بعناصر القوات المساعدة والشرطة، عملية هدم واسعة استهدفت عدداً من البنايات والمحلات التجارية بمنطقة البحيرة.

هذا التحرك الميداني يندرج في سياق مشروع إعادة تأهيل المجال التاريخي للعاصمة الاقتصادية، ضمن ورش ضخم يحمل اسم "المحج الملكي"، وهو المشروع الذي تسعى من خلاله السلطات إلى إحداث نقلة نوعية في وجه المدينة القديمة.

وتحت أنظار الساكنة، التي تباينت مواقفها بين مؤيد لما وصفوه بـ"تطهير عمراني يعيد الاعتبار للمدينة"، وبين معارضين يعتبرون ما يجري "تشريداً بلا بدائل واضحة"، تحركت الجرافات صباح اليوم لتباشر عملية هدم طالت بنايات سكنية ومحلات تجارية، وسط أجواء مشحونة ومزيج من الترقب والقلق.

هذا التحرك جاء بعدما تلقى السكان وأصحاب المحلات إشعارات شفهية من أعوان السلطة المحلية ليلة أمس الأحد، تفيد بانطلاق العملية في الساعات الأولى من صباح الاثنين، وهو ما دفعهم إلى إفراغ مساكنهم ومحلاتهم بشكل متأخر وسط حالة من الاستغراب والتخوف.

وتأتي العملية في إطار مشروع متكامل لإعادة إحياء المدينة القديمة للدار البيضاء، حيث تراهن السلطات على هذا الورش العمراني الضخم لتغيير ملامح المنطقة بشكل جذري.

ولا يقتصر المشروع على تحديث البنية التحتية فقط، بل يتطلع إلى خلق فضاء حضري يمزج بين الأصالة المغربية والحداثة العمرانية، من خلال إنشاء حدائق وساحات عمومية جديدة، وبنايات تستوحي معمارها من الطابع التقليدي المغربي.

كما يضم المشروع توسعة للمعرض الدولي المجاور لمسجد الحسن الثاني، وهو ما من شأنه أن يمنح المنطقة بعدًا سياحيًا واستثماريًا جديدًا.

هذا التحول العمراني، الذي تشرف عليه جماعة الدار البيضاء بقيادة العمدة نبيلة الرميلي، يأتي أيضًا في سياق استعداد المغرب لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030.

وتُعد الدار البيضاء من المدن المحورية في هذا الرهان، بالنظر إلى وزنها الاقتصادي والبشري، ما يجعل من تطوير بنيتها التحتية وتنظيم مجالها الحضري أولوية ملحة.

ومن بين الأهداف المعلنة أيضًا، تحسين وضعية الأسواق التقليدية بالمدينة القديمة، على غرار سوق باب مراكش، وإعادة تنظيم الفضاءات التجارية بما ينسجم مع رؤية حضرية جديدة.

ورغم الطابع الطموح للمشروع، إلا أن تنزيله لم يخلُ من الجدل، فقد رافقت عمليات الهدم والإفراغ انتقادات من بعض السكان والفاعلين المدنيين، خاصة في ما يتعلق بهدم بعض المباني التي لا تحمل صفة الآيلة للسقوط.

في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن الهدف الأساسي من هذه العملية هو تحويل المدينة القديمة إلى قطب سياحي واقتصادي متكامل يليق بمكانة الدار البيضاء كواجهة حضرية للمغرب في السنوات المقبلة.

في ظل هذه الدينامية، تزداد مطالب المجتمع المدني بضرورة إشراك السكان في صياغة تفاصيل المشروع، لضمان انتقال حضري سلس يحفظ الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمتضررين.

ودعت الجمعيات المحلية مرارا إلى اعتماد مقاربة تشاركية تراعي البعد الإنساني، وتضمن توفير بدائل سكنية وتجارية قبل الشروع في ورش التحديث.

ويبقى الرهان الأكبر أمام عمدة الدار البيضاء نبيلة الرميلي هو التوفيق بين سرعة إنجاز المشروع وضمان العدالة الاجتماعية للساكنة المتضررة، حتى يتحقق حلم تحويل المدينة القديمة إلى فضاء عمراني حديث دون أن يُترك أحد خلف الركب.

آخر الأخبار