هشاشة وتجاوزات في قطاع الحراسة والنظافة.. فئة حيوية تواجه الإقصاء والصمت الحكومي
في الوقت الذي تُعد فيه خدمات الحراسة والنظافة والطبخ من المقومات الأساسية لضمان السير العادي للمرافق العمومية والخاصة، وتُسهم بشكل مباشر في تأمين بيئة نظيفة وآمنة ومحفزة على العمل والدراسة، يعيش آلاف العاملين في هذا القطاع أوضاعاً مهنية واجتماعية صعبة، عنوانها الأبرز "الهشاشة المزمنة".
في ظل غياب احترام التزامات التعاقد، وتقاعس واضح من الجهات الوصية عن التدخل الفعلي لحماية هذه الفئة التي تشكل العمود الفقري للخدمات الأساسية اليومية داخل المؤسسات التعليمية والإدارات العمومية.
وتعيش هذه الفئة، التي تشمل أعوان الطبخ والنظافة والحراسة، وضعاً مقلقاً زاد من حدته تغول شركات المناولة التي تتولى تدبير هذه الخدمات، دون التزام فعلي بمضامين دفاتر التحملات التي تنص على ضمان حقوق المستخدمين.
ورغم أن هذه الشركات ترتبط بعقود مع مؤسسات الدولة وتستفيد من المال العمومي، إلا أن عدداً منها لا يتردد في التنصل من التزامات أساسية، أبرزها أداء الأجور في وقتها، والتصريح الكامل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، واحترام الحد الأدنى للأجور.
وتحولت هذه التجاوزات، وفق شهادات وبيانات نقابية، إلى ممارسة ممنهجة تطال آلاف المستخدمين، خاصة داخل المؤسسات التعليمية، حيث وجهت النقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، مراسلة مباشرة إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، شكيب بنموسى، دقت فيها ناقوس الخطر بشأن ما وصفته بـ"التدهور المستمر لأوضاع هذه الفئات داخل المؤسسات التعليمية"، محذرة من تفاقم حالة الهشاشة في ظل غياب الرقابة الإدارية.
وحمّلت المراسلة، التي حصلت عليها "الجريدة 24"، المسؤولية للوزارة في ما وصفته بـ"الصمت غير المبرر" إزاء الانتهاكات التي تمس الكرامة الإنسانية للمستخدمين، مشيرة إلى أن العديد من الشركات تحتجز أجور العمال خلال شهري يوليوز وغشت، تحت مبرر إغلاق المؤسسات التعليمية.
وهو ما يعتبر، وفق المصدر ذاته، خرقاً صارخاً للقانون، نظراً لأن العلاقة الشغلية لا تسقط خلال العطل، خصوصاً حين لا تتوفر عقود واضحة ومستمرة.
ولم تتوقف الاختلالات عند حد تأخير الأجور، بل طالت، حسب النقابة، تدنّي قيمتها إلى مستويات "مهينة" لا تراعي الحد الأدنى للأجور المعمول به قانوناً، ولا تسمح للعمال بتأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم.
كما تم تسجيل حالات تأخير صرف أجور شهري يونيو ويوليوز بالنسبة لعاملات الطبخ رغم استمرارهن في العمل خلال تلك الفترة، في تناقض تام مع التصريحات الرسمية حول احترام الحقوق الاجتماعية لهذه الفئة.
وتطرقت المراسلة النقابية إلى استفحال حالات الطرد التعسفي في صفوف حراس الأمن الخاص، الذين يواجهون الفصل دون أي إشعار أو تعويض قانوني، ودون أي تدخل من الجهات الإدارية المختصة لفرض احترام الحد الأدنى من الالتزامات القانونية، مشيرة إلى أن الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية تراجعت عن دورها في التتبع والمراقبة، ما سمح لهذه الشركات بمواصلة ممارساتها دون حسيب أو رقيب.
وخلصت النقابة إلى المطالبة بإجراء مراجعة شاملة لنمط التعاقد الحالي بين الوزارة وهذه الشركات، بما يضمن كرامة المستخدمين ويؤمن استقرارهم المهني والاجتماعي، داعية إلى إقرار آلية مراقبة دورية وفعالة، وربط تجديد العقود باحترام الحقوق الأساسية للعمال، وعدم التساهل مع أي تجاوز في هذا الصدد.
وتُطرح في هذا السياق أسئلة ملحة حول دور الوزارة الوصية، ومدى التزامها بمسؤولياتها تجاه هذه الفئة التي تشتغل في ظروف قاسية، وغالباً ما تبقى على هامش النقاش العمومي.
كما يثير هذا الملف جدلاً متواصلاً حول نجاعة نماذج المناولة المعتمدة في القطاعات العمومية، والانعكاسات الاجتماعية الخطيرة لغياب رقابة صارمة وآليات مساءلة حقيقية تضمن عدم المساس بحقوق المستخدمين، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمال عام يفترض أن يُصرف في إطار من الشفافية والتعاقد الواضح والعدالة الاجتماعية.
ويبدو أن قطاع الحراسة والنظافة والطبخ، رغم كونه يشكل عنصراً حيوياً في البنية التحتية للخدمات العمومية، لا يزال أسير منطق التهميش، ما لم تُتخذ خطوات عملية نحو الإصلاح، تبدأ بإعادة النظر في نظام المناولة برمته، وتفعيل أدوات الرقابة والمحاسبة، وتمكين العاملين فيه من عقود عمل مستقرة، وأجور لائقة، وحماية اجتماعية فعلية تضمن لهم كرامتهم داخل فضاءات العمل.