في مواجهة ضغط الهجرة.. بروكسيل تضع المغرب في قلب خطتها الجديدة

الكاتب : انس شريد

19 يوليو 2025 - 07:30
الخط :

في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالهجرة غير النظامية والضغوط التي تواجهها الدول الأوروبية بسبب تدفق المهاجرين من الضفة الجنوبية للمتوسط، تعمل المفوضية الأوروبية على تسريع جهودها لإبرام اتفاق تعاون جديد مع المملكة المغربية، يكون محوره الأساسي معالجة ملف الهجرة، في إطار توجه أوروبي أوسع لإعادة هيكلة العلاقات مع دول شمال إفريقيا، مقابل حزم دعم مالي واستثماري مشروط بتعاون أمني ومؤسساتي أوسع نطاقًا.

ويأتي التحرك الأوروبي في أعقاب موجات الهجرة المتزايدة خلال العامين الماضيين، والتي أثارت قلقًا متزايدًا داخل الاتحاد الأوروبي، لا سيما في الدول الواقعة في الواجهة الجنوبية كإسبانيا وإيطاليا.

وفي هذا السياق، أعلنت المفوضة الأوروبية لشؤون البحر الأبيض المتوسط، دوبرافكا سويكا، خلال مشاركتها في إطلاق مبادرة "أوروبا العالمية" في بروكسيل، أن الاتحاد يعمل على تعميق شراكته مع المغرب، واضعًا ملف الهجرة على رأس أولويات هذه المرحلة الجديدة من التعاون.

وحسب ما أوردته "أوروبا بريس"، وتداولته كذلك عدد من الصحف الأوروبية، فقد أوضحت سويكا أن الاتحاد الأوروبي أحرز تقدمًا في شراكاته مع دول عربية مثل تونس ومصر والأردن، وأنه بصدد توسيع هذا النمط من التعاون ليشمل المغرب، في وقتٍ بدأت فيه المفاوضات بالفعل مع الرباط، ولو في مراحلها الأولى.

كما أشارت إلى نية بروكسيل التوجه لاحقًا إلى لبنان ضمن نفس الاستراتيجية، التي تهدف إلى تحويل العلاقة مع دول الجنوب إلى إطار متعدد الأبعاد، يجمع بين التعاون الأمني والدعم التنموي في آن واحد.

ويأتي توجه المفوضية الأوروبية بعد نجاح نسبي لاتفاقات سابقة وقعتها بروكسيل مع دول الجوار الجنوبي، خصوصًا مع تونس ومصر، حيث تم ربط الدعم المالي والاقتصادي المقدم لهذه الدول بالتزامات محددة تتعلق بمراقبة الحدود واحتواء تدفقات الهجرة غير النظامية.

وحسب التقارير المتداولة، فإنه من المتوقع أن يسير الاتفاق مع المغرب في المنحى ذاته، مع تضمينه بنودًا تتعلق بإعادة المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم الأصلية، وتعزيز التعاون الاستخباراتي والأمني لمكافحة شبكات التهريب.

لكن هذا المسار التفاوضي لا يبدو خاليًا من التحديات، خصوصًا في ظل الموقف المغربي التقليدي الرافض لتحويل المملكة إلى مجرد أداة أمنية لحماية حدود أوروبا، حسب ما تم تداوله.

وكان وزير الخارجية ناصر بوريطة، قد أكد في تصريحات سابقة تعود إلى عام 2021 على أن "المغرب ليس دركيًا لأوروبا"، مضيفًا أن أي تعاون في هذا المجال يجب أن يكون قائمًا على منطق الشراكة المتكافئة وليس التكليف الأمني من طرف واحد.

هذا الموقف أثار في حينه ردود فعل أوروبية متباينة، لكنه حسب التقارير الصحفية يدفع بروكسيل حاليا إلى مراجعة مقاربتها تجاه الرباط، والتركيز على خلق صيغة تعاون أكثر توازنًا وشمولًا.

في المقابل، يبدو المغرب حريصًا بدوره على استثمار هذا التقارب الأوروبي بما يخدم أولوياته الاستراتيجية، خاصة في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، وتصاعد أهمية موقعه الجيوسياسي كبوابة نحو إفريقيا جنوب الصحراء.

وتشير عدة تقارير إلى أن الرباط ستسعى خلال هذه المحادثات إلى ضمان صيغة اتفاق تحترم السيادة المغربية، وتُعزز دور المملكة كشريك تنموي، وليس فقط كفاعل أمني في خدمة الأجندة الأوروبية.

وقد أظهر المغرب في السنوات الأخيرة التزامًا فعليًا بمحاربة الهجرة غير النظامية، حيث كثّف عملياته الأمنية ضد شبكات التهريب، واحتضن عددًا من المبادرات الأممية لتعزيز الهجرة الآمنة والمنظمة.

كما حرصت السلطات المغربية على توفير رعاية إنسانية للمهاجرين العالقين على أراضيها، في صورة مغايرة للتقارير السلبية التي تُروَّج أحيانًا في الإعلام الأوروبي.

ويُرجح أن تُمثّل هذه المفاوضات اختبارًا لنموذج التعاون الأوروبي الجديد مع دول الجنوب، في مرحلة تزداد فيها التحديات المتصلة بالهجرة، والأمن، والتغير المناخي، والنمو الاقتصادي.

في ظل هذه المعطيات، يتضح أن المرحلة المقبلة ستشهد جولة جديدة من إعادة التفاوض على مفهوم "الشراكة" في الفضاء الأورو-متوسطي، حيث لم يعد ممكنًا اختزال العلاقات في منطق المساعدات مقابل الخدمات الأمنية، بل بات من الضروري تبني مقاربات طويلة المدى تراعي المصالح المتبادلة، وتعزز الاستقرار من جذوره بدل الاكتفاء بعلاج الأعراض السطحية.

آخر الأخبار