ماذا أعدت وزارة الأسرة لحماية صورة المغرب من التسول؟
في وقت تشتد فيه وتيرة التحضيرات لاستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2030، والذي سيقام بشراكة ثلاثية بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، تجد الحكومة المغربية نفسها أمام تحديات تتجاوز البنية التحتية والملاعب إلى ما هو أبعد من ذلك، وعلى رأسها مواجهة مظاهر الهشاشة الاجتماعية التي باتت تُهدد صورة المملكة في المحافل الدولية، وفي مقدمتها ظاهرة التسول، التي لا تزال ترخي بظلالها على كبريات المدن المغربية، رغم كل التدخلات الرسمية.
وتعيش المدن السياحية الكبرى، وعلى رأسها مراكش والدار البيضاء، منذ سنوات على وقع استفحال هذه الظاهرة، التي باتت تشوه جمالية الفضاءات العامة وتؤرق سكانها وزوارها على السواء، خاصة في النقاط الحيوية والمحيطة بالمؤسسات العمومية والتجارية.
الانتقادات لا تتوقف من هيئات المجتمع المدني وفعاليات حقوقية تطالب بإجراءات ملموسة وعاجلة، لا سيما في ظل اقتراب موعد الحدث الرياضي العالمي الذي سيجلب أنظار الإعلام الدولي، بكل ما يحمله من كاميرات وتحقيقات ميدانية دقيقة.
في هذا السياق، خرجت نعيمة ابن يحيى، وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، لتؤكد أن الحكومة لا تقف موقف المتفرج، بل تباشر حزمة من الإجراءات ضمن خطة متكاملة لمحاصرة الظاهرة، استناداً إلى مقاربة شاملة متعددة الأبعاد.
وكشفت نعيمة ابن يحيى في جواب كتابي على سؤال قدمه رئيس الفريق الحركي بمجلس النواب إدريس السنتيسي، أن الوزارة رصدت خلال العام الماضي رصدت ميزانية بلغت 48.7 مليون درهم لدعم 185 مؤسسة للرعاية الاجتماعية، من بينها 33 مؤسسة متخصصة في استقبال المتسولين والمشردين، بطاقة استيعابية بلغت 4634 مستفيداً.
وشددت الوزيرة في معرض جوابها على أن التدخل لا يقتصر على الدعم المالي، بل يمتد إلى مواكبة متعددة الجوانب تشمل الإرشاد النفسي والاجتماعي والصحي، مع تنظيم حملات توعية ميدانية تحذر من خطورة التسول، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باستغلال الأطفال في الشارع العام.
هذا المحور الوقائي، حسب الوزارة يعتبر أساسياً في رؤية الوزارة، التي تسعى إلى تثبيت قيم الإدماج الاجتماعي والعدالة الاجتماعية في التعاطي مع الظواهر المرتبطة بالهشاشة.
وتفعيلاً لهذه المقاربة، أكدت نعيمة ابن يحيى أن الوزارة شرعت عبر مؤسسة التعاون الوطني، في تعزيز قدرات مراكز الإسعاف الاجتماعي المتنقل ومؤسسات الرعاية، كما أنشأت وحدات جديدة موجهة لحماية الأطفال في وضعية صعبة.
وقد تمكنت هذه البنيات، بحسب الأرقام الرسمية التي قدمتها في جوابها الكتابي، من استقبال أكثر من 44 ألف طفل خلال سنة 2024، موزعين على 101 مركز عبر مختلف جهات المملكة، ما يعكس توسعاً تدريجياً للمنظومة الوقائية والتكفلية.
ومن بين أبرز المحاور التي كشفت عنها الوزيرة، خطة العمل الخاصة بحماية الأطفال من الاستغلال في التسول، التي تم إطلاقها منذ سنة 2019، والتي توسعت لتشمل إلى جانب مدن الرباط وسلا وتمارة، كلاً من طنجة ومكناس ومراكش وأكادير. هذه الخطة تستند إلى تشخيص دقيق للوضعية الميدانية، وتحريك آليات تدخل متعددة الأطراف، تشمل القطاعات الحكومية والمؤسسات الأمنية والاجتماعية.
وأعلنت نعيمة ابن يحيى أن الوزارة تعتمد على آليات التكفل المؤقت أو الدائم بحالات المتسولين دون سند أسري، من خلال توجيههم نحو مؤسسات الحماية والرعاية، في مسعى لإعادة إدماجهم ضمن النسيج الاجتماعي.
وتتمحور هذه الاستراتيجية حسب جواب الوزيرة حول ثلاث مستويات أساسية: الجانب الاجتماعي، من خلال المعاينة الميدانية ومواكبة الحالات، والجانب الاقتصادي عبر تمكين الفئات المستهدفة من فرص تكوين وتشغيل، ثم الجانب الوقائي عبر الحملات التحسيسية ومحاربة التمثلات السلبية التي تساهم في تطبيع المجتمع مع ظاهرة التسول.
ورغم هذه الجهود الحكومية، لا تزال أصوات عديدة تعتبرها غير كافية، في ظل التنامي الملحوظ لأعداد المتسولين، وخصوصاً الأطفال والنساء، في الفضاءات العامة.
وقد سبق للمرصد الوطني لتخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد أن دعا إلى تدخل فوري لمعالجة تفشي الظاهرة، مؤكداً أن الأمر لم يعد مجرد إشكال اجتماعي بل تحول إلى معضلة تهدد سمعة المغرب أمام العالم، خاصة في ظل المؤشرات الخطيرة المتعلقة بتنامي استغلال القُصّر وتورط شبكات غير رسمية في تنظيم هذه الممارسات.
الإشكال لا يتوقف عند حدود المظهر العام في الشارع، بل يتعداه إلى قضايا أعمق تتعلق بالاستغلال الاقتصادي للأطفال وغياب الإطار الأسري، وارتفاع نسب الهدر المدرسي، ما يتطلب حسب الفعاليات الحقوقية تفعيل التنسيق بين وزارات متعددة وليس فقط وزارة الأسرة، بما فيها وزارات الداخلية، التربية الوطنية، العدل، والاقتصاد، لوضع سياسة عمومية مندمجة تحاصر الجذور الحقيقية للظاهرة.