الوردي: خطاب عيد العرش حاسم في الشأن الداخلي ومنفتح على مستقبل التعاون المغاربي

الكاتب : انس شريد

29 July 2025 - 10:30
الخط :

في قراءة تحليلية شاملة لخطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتربعه على العرش، اعتبر الدكتور العباس الوردي، الخبير السياسي وأستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الخطاب الملكي الأخير حمل رسائل عميقة ومؤشرات قوية تؤسس لمرحلة جديدة في مسار التنمية الشاملة بالمغرب، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو المجالي، وذلك في إطار رؤية استراتيجية تتماهى مع روح النموذج التنموي الجديد.

وأكد الوردي في تصريح صحفي للجريدة 24، أن جلالة الملك أبان من خلال هذا الخطاب عن تمسك راسخ بقيم العدالة الاجتماعية والعيش الكريم، وهو ما عبّر عنه بإثارة مفارقات تنموية يجب على الفاعلين العموميين معالجتها بجدية، سواء تعلّق الأمر بإصلاح اختلالات التنمية المجالية، أو معالجة التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية، عبر تعزيز التضامن والتكامل بين مختلف جهات المملكة، في ظل مقاربة تعتمد على الجهوية المتقدمة وتستحضر خصوصيات كل منطقة على حدة.

وشدد المتحدث ذاته على أن الملك محمد السادس وجّه من خلال خطابه رسائل واضحة حول ضرورة إرساء أسس تنمية عادلة وشاملة، تتجاوز منطق المركزية، وتعمل على تهيئة مناخ متكافئ للعيش الكريم بين جميع المواطنات والمواطنين، في إطار ما وصفه الدكتور الوردي بـ"منطق الأب الراعي لأسرة كبيرة" يعمل على توفير شروط الرفاه الاقتصادي والاجتماعي لجميع أبنائه.

وفي هذا السياق، أبرز الوردي أربع ركائز اعتبرها جوهرية في التوجه الملكي الجديد، وهي: التشغيل، والاستباق، ومحاربة الإجهاد المائي، وتعزيز التنمية والخدمات الاجتماعية. وهي مقومات لا تندرج فقط ضمن مطالب ظرفية، وإنما تُعَدُّ، بحسبه، أساسًا لبناء نموذج مستدام لا يمكن تحقيقه إلا عبر مشاريع مؤطرة زمنياً، تستند إلى مؤهلات المملكة الطبيعية والبشرية، مع ضرورة احترام الخصوصيات الجهوية، في انسجام تام مع روح الوحدة الترابية والوطنية التي شدد عليها الخطاب الملكي.

واعتبر الخبير السياسي أن دعوة جلالة الملك إلى احترام التوازن المجالي والاجتماعي يعكس حرص المؤسسة الملكية على عدم القبول بأي تمييز بين المواطنين، وهو ما جاء جليًا في تأكيده على أن المغرب واحد، لجميع أبنائه، يتمتعون فيه بالحقوق نفسها، بعيدًا عن منطق المغرب النافع وغير النافع، وهي إشارة قوية إلى التحول العميق الذي تعرفه النظرة الرسمية للتنمية في البلاد.

كما توقف الوردي عند الإشارات التي حملها الخطاب بشأن التقدم المحرز في مؤشرات التنمية البشرية، والتي تعززها مخرجات الإحصاء الأخير لسنة 2024، وما أظهره من تراجع ملحوظ في نسب الفقر والهشاشة، مع تحسين ملموس في ولوج المواطنين إلى الخدمات الأساسية.

وهي مؤشرات، وفق الوردي، تعكس نجاعة السياسات العمومية حينما تقترن بالتوجيهات الملكية وتتبنى منطق التخطيط المتوازن.

وفي سياق متصل، ثمّن الدكتور الوردي تأكيد جلالة الملك على الريادة التي يجب أن تضطلع بها المؤسسات الوطنية، من خلال اعتماد التضامن والتكامل كرافعتين أساسيتين لخلق بيئة مؤسساتية قادرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب.

معتبراً أن الخطاب الملكي أعاد ترتيب الأولويات التنموية في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية، ووضع الدولة والمؤسسات أمام مسؤولية بناء مغرب الصعود، الذي عبّر عنه جلالة الملك بوضوح وقوة.

ولم يفت الوردي التوقف عند البُعد الخارجي في الخطاب، الذي حمَل دلالات سياسية ودبلوماسية عميقة، خصوصًا في ما يتعلق بتأكيد الملك على استمرار اليد الممدودة نحو الأشقاء في الجزائر، وعلى عمق العلاقات التاريخية والمصير المشترك بين الشعبين المغربي والجزائري، رغم محاولات بعض الجهات زرع الفتنة والتفرقة.

وهي دعوة، يوضح الوردي، تعكس حرص المغرب على بناء علاقات الجوار على أسس الاحترام المتبادل وحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف، في أفق استعادة روح التعاون المغاربي.

وعلى المستوى الدولي، ثمّن الوردي ما ورد في الخطاب من إشادة ملكية بالدعم البريطاني والبرتغالي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء، معتبرًا ذلك مؤشرًا على اتساع رقعة الاعتراف الدولي بمشروعية الطرح المغربي، وترسيخًا لخيار الحل السياسي الواقعي والعملي لهذا النزاع المفتعل.

وفي ختام قراءته، أشار الدكتور الوردي إلى نقطة مفصلية تضمنها خطاب العرش، تتعلق بالانتخابات التشريعية المقبلة المقررة سنة 2026، حيث أكد جلالة الملك على ضرورة احترام الآجال الدستورية لإجرائها، وأعلن عن فتح باب المشاورات بين وزير الداخلية والفرقاء السياسيين بشأن القوانين المؤطرة لهذا الاستحقاق.

وهي دعوة، يوضح الوردي، تؤكد من جديد أن الملك محمد السادس لا يكتفي بتوجيه السياسة الكبرى للدولة، بل يحرص أيضًا على ضمان الانتظام الديمقراطي، وترسيخ دولة المؤسسات، في إطار مسار متدرج لكن ثابت نحو ترسيخ مغرب جديد، قائم على الحكامة والديمقراطية والتنمية المستدامة.

وبهذا الخطاب، يرى الخبير السياسي أن جلالة الملك قد رسّخ معالم مشروع وطني واضح المعالم، يضع الإنسان في قلب التنمية، ويربط المسؤولية بالمحاسبة، ويؤسس لمرحلة قادمة عنوانها الأبرز: "المغرب الصاعد".

آخر الأخبار