عقد وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، يوم أمس السبت بالعاصمة الرباط، لقاءً تشاورياً مع قادة وممثلي الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، في خطوة تندرج في إطار تفعيل التوجيهات الملكية السامية المتعلقة بالإعداد الجيد للاستحقاقات التشريعية المقبلة، وفق ما جاء في خطاب عيد العرش الأخير.
اللقاء الذي دام قرابة ساعة ونصف، تناول محاور محورية تتعلق برفع نسبة المشاركة في الانتخابات، وتعزيز الشفافية، ومحاربة كافة أشكال الفساد الانتخابي.
وحضر هذا اللقاء ممثلو تسعة أحزاب سياسية، إلى جانب أطر وزارة الداخلية المعنيين بالملف السياسي والانتخابي، في جوّ وصفه المشاركون بالإيجابي والمسؤول.
وتم خلاله التأكيد على ضرورة انخراط الجميع، مؤسسات وأحزاباً، في بلورة تصور جماعي لمنظومة انتخابية قادرة على تعزيز ثقة المواطن في العمل السياسي، وتحصين المسار الديمقراطي.
وفي أولى ردود الفعل على مضامين اللقاء، أوضح إدريس الأزمي الإدريسي، النائب الأول للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، خلال لقاء حزبي اليوم الأحد، أن الاجتماع جاء بتوجيه مباشر من الخطاب الملكي، الذي دعا إلى تجاوز حالة الانتظارية، والشروع الفعلي في التحضير للانتخابات المقبلة.
وأضاف أن الكلمة التي ألقاها وزير الداخلية كانت دقيقة وواضحة، ووجهت رسائل قوية حول ضرورة صون نزاهة الاستحقاقات الانتخابية، وضمان تعبير حر وصادق عن إرادة المواطنات والمواطنين.
وأشار الأزمي إلى أن اللقاء اتسم بكثافة المضمون وتركيز المداخلات، حيث لم تتجاوز مساهمات الأحزاب السياسية خمس دقائق لكل تدخل، ما سمح بتبادل الأفكار الرئيسية بشكل فعال.
ولفت إلى أن مضمون كلمة وزير الداخلية تضمن التأكيد على أن الدولة حريصة على استمرار بناء مؤسسات تستمد شرعيتها من إرادة الشعب، وتتمتع بالثقة والمصداقية، بما يعكس صلابة المشروع الديمقراطي المغربي.
ومن بين الرسائل البارزة التي تضمنها اللقاء، حسب الأزمي، التشديد على ضرورة رفع نسبة المشاركة في الانتخابات باعتبارها تحدياً مركزياً يهم كل الفاعلين، فضلاً عن استقطاب الكفاءات والنخب المؤهلة للاضطلاع بالمسؤوليات التمثيلية.
كما أشار وزير الداخلية، في أكثر من مناسبة خلال اللقاء، وفقا لعضو البيجيدي إلى التزام الإدارة بالتصدي الصارم والحازم لأي سلوك يمس بمصداقية العملية الانتخابية، مؤكداً أن هذه المسؤولية مشتركة بين الدولة والأحزاب، لا سيما في ما يتعلق باختيار وتزكية المرشحين.
وفي هذا الإطار، أبرز وزير الداخلية، حسب الأزمي أن الإدارة ستكون منفتحة على كافة المقترحات في إطار حوار مؤسساتي مسؤول، وستشتغل تحت إشراف ومراقبة السلطة القضائية لضمان الحياد التام ونزاهة الإجراءات.
كما جرى خلال الاجتماع عرض جملة من المواضيع المقترحة للنقاش في المرحلة المقبلة، أبرزها تحيين اللوائح الانتخابية، وإقرار آليات فعالة لتخليق المسار الانتخابي وزجر التجاوزات، بالإضافة إلى التدابير المحفزة على المشاركة، ومراجعة القوانين التنظيمية المتعلقة بتمويل الأحزاب وتعزيز شفافية العمل السياسي.
وتشمل المحاور كذلك السبل الكفيلة بتمكين النساء والشباب من ولوج المجالس المنتخبة، وتطوير وسائل التواصل الإعلامي المواكب للاستحقاقات، وتحديد الجدولة الزمنية والإعداد اللوجستي للانتخابات، بشكل يضمن انتظامها واحترام مقتضيات الدستور.
وأكدت بعض الأحزاب، عقب اللقاء، أن هذه الخطوة تمثل بداية إيجابية لمسار تشاوري يأخذ بعين الاعتبار تحديات الظرفية الوطنية والدولية، ويعيد الاعتبار للمسار الانتخابي كمكون محوري في البناء المؤسساتي.
واعتبر ممثلوها أن خطاب وزير الداخلية حمل إشارات مطمئنة، سواء فيما يتعلق بانفتاح الوزارة على الاقتراحات، أو فيما يخص الالتزام الصريح بضمان الحياد وتطبيق القانون على جميع الأطراف.
من جهته، عبّر حزب العدالة والتنمية، من خلال مداخلة الأزمي، عن تمسكه بإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة تحترم الإرادة الشعبية، مؤكداً أن الهدف ليس فقط تحقيق نتائج سياسية، بل تحسين صورة الانتخابات في المغرب داخلياً وخارجياً.
وشدد على أن تكرار الممارسات المسيئة للعملية الانتخابية يضر بالمصلحة الوطنية، مشيراً إلى أن ما يتردد عن حالات شراء ذمم أو استغلال للنفوذ يجب أن يُواجَه بصرامة قانونية وأخلاقية.
كما أكد الأزمي أن خطاب العرش الأخير وضع خارطة طريق واضحة، وحدد سقفاً زمنياً للتحضير للاستحقاقات، ما يفرض تعبئة جماعية للوفاء بالموعد الدستوري، في ظل سياق خاص يتسم بتحديات وطنية وإقليمية، بما في ذلك متابعة دولية دقيقة للقضية الوطنية، واستعداد المغرب لاحتضان تظاهرات عالمية كبرى، وهي رهانات تتطلب مؤسسات منتخبة قوية تتمتع بالمصداقية.
وأضاف أن الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة تعيش اليوم أزمة عميقة، وهو ما تؤكده استطلاعات الرأي، مشدداً على أن المسؤولية مشتركة في ترميم هذه الثقة، من خلال تقديم عرض سياسي وانتخابي جاد، يقوم على الشفافية والمحاسبة واحترام إرادة الناخبين.
ويُنتظر أن تُستكمل هذه المشاورات بسلسلة من اللقاءات التقنية والسياسية، لتحديد التصورات الإصلاحية المطلوبة على المستويين القانوني والتنظيمي.
كما يُنتظر أن تطرح الأحزاب السياسية مقترحاتها في ما يتعلق بالتقطيع الانتخابي، وتمويل الحملات، وضمان ولوج منصف لمختلف الفئات، بما يعكس تطور الممارسة الديمقراطية في المغرب.
ويأتي هذا الحراك السياسي في سياق وطني يؤمن بأهمية الإصلاح التدريجي للمؤسسات، ويؤكد على ضرورة إرساء ثقافة انتخابية قائمة على المشاركة، والمحاسبة، وربط المسؤولية بالنتائج، لتفرز صناديق الاقتراع مؤسسات قادرة على التجاوب مع الانتظارات الحقيقية للمجتمع.