زوما يصفع موقف بريتوريا من البوليساريو.. ويؤكد: العلم الوطني ملكٌ للشعب وليس للحكومة
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها ملف الصحراء المغربية على المستويين الإقليمي والدولي، برزت زيارة الرئيس الجنوب إفريقي السابق وزعيم حزب "أم كيه" جاكوب زوما إلى المملكة المغربية كحدث سياسي بارز أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية في بريتوريا.
الزيارة التي جرت منتصف يوليوز الماضي، لم تكن مجرد تحرك بروتوكولي عابر، بل حملت رسائل سياسية مباشرة عبّر فيها زوما عن دعمه الصريح للسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، وتأييده لمقترح الحكم الذاتي الذي تطرحه الرباط كحل عملي ونهائي للنزاع، في وقت تتراجع فيه الأطروحات الانفصالية التي تتبناها جبهة البوليساريو وتدعمها الجزائر.
رد فعل الحكومة الجنوب إفريقية لم يتأخر، إذ سارعت وزارة العلاقات الدولية والتعاون إلى إصدار بيان شديد اللهجة اعتبرت فيه أن استخدام زوما للعلم الوطني خلال زيارته إلى المغرب يشكل "مخالفة للأعراف الدبلوماسية"، مؤكدة أن رفع الرموز الوطنية في سياق غير رسمي قد يوحي بوجود تعاون حكومي بين البلدين.
في المقابل، لم يتراجع حزب زوما عن موقفه، بل صعّد من نبرته خلال مؤتمر صحفي عقده في ضواحي جوهانسبورغ، حيث قال عبر لسان مكازيلا مزوبي، إن "العلم الوطني ملك لجميع المواطنين وليس حكراً على الحكومة"، مؤكدا أن البوليساريو يعتبر خطرا على إفريقيا بأكلمها.
ووفقا لتقارير إخبارية متداولة في جنوب إفريقيا، فإن زوما شدد على أن زيارته للمغرب جاءت بدافع شخصي وقناعة سياسية، وأنه لم يكن يمثل الحكومة أو يتحدث باسمها، بل عبّر عن موقف مستقل يرى في مبادرة الحكم الذاتي المغربية الحل الأنسب لإنهاء النزاع.
التباين الحاد في المواقف بين زوما والحكومة الجنوب إفريقية كشف عمق الانقسام داخل المشهد السياسي في بريتوريا بشأن قضية الصحراء. فحزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم ذهب إلى حد وصف زوما بـ"الخائن"، متهمين إياه بتقويض الموقف الرسمي لبلاده الداعم للبوليساريو، فيما يرى أنصاره أنه يمثل صوتاً حراً يعكس وجهة نظر قطاع واسع من المواطنين الذين يرفضون استمرار دعم الجبهة الانفصالية.
على الجانب المغربي، جرت ترتيبات الزيارة في إطار بروتوكولي منظم، إذ استقبل وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة زوما رسمياً، في لقاء وصف بالمثمر، أكد خلاله الضيف الجنوب إفريقي دعمه الثابت لوحدة المغرب الترابية. هذا الاستقبال، الذي تم بالتنسيق بين السفارة المغربية في بريتوريا وسفارة جنوب إفريقيا في الرباط، يعكس رغبة الرباط في فتح قنوات تواصل مع مختلف الفاعلين السياسيين المؤثرين في القارة، حتى وإن لم يشغلوا مناصب حكومية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتسع فيه رقعة الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، حيث أبدت قوى كبرى مثل الولايات المتحدة، إسبانيا، فرنسا، وبريطانيا مواقف داعمة لمبادرة الحكم الذاتي، في حين اتجهت عدة دول إلى سحب اعترافها بالبوليساريو، بل وارتفعت الدعوات إلى تصنيفها كمنظمة إرهابية على خلفية ارتباطاتها بمجموعات مسلحة في منطقة الساحل.
وبينما يشتد السجال في جنوب إفريقيا حول زيارة زوما، يرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تكون بداية لتآكل الموقف التقليدي لبلاده بشأن ملف الصحراء، وفتح الباب أمام مراجعة شاملة للسياسة الخارجية في هذا الشأن، خاصة إذا استمرت الأصوات السياسية المؤثرة في تبني خطاب أكثر واقعية يتماشى مع المتغيرات الإقليمية والدولية.