إصلاح التقاعد.. اجتماع مرتقب يحرك النقاش من جديد وسط تصاعد الضغوط
عاد ملف إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب إلى واجهة السجال السياسي والاجتماعي مع اقتراب موعد اجتماع مرتقب يوم 18 شتنبر الجاري بمقر وزارة الاقتصاد والمالية بالرباط، حيث ينتظر أن يجمع ممثلين عن الحكومة والمركزيات النقابية والفاعلين الاقتصاديين، في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة تسمح بإطلاق ورش الإصلاح الشامل لأنظمة التقاعد التي تواجه وضعًا بالغ التعقيد.
هذا الملف الذي ظل مطروحًا منذ سنوات باعتباره أحد أبرز التحديات الاجتماعية، برز من جديد بعدما أظهرت التقارير الرسمية مؤشرات مقلقة بشأن مستقبل الصناديق، التي باتت مهددة بالعجز الكامل في حال استمرار العمل بالآليات الحالية دون تدخل إصلاحي.
وتؤكد أوساط متابعة أن المغرب يقف أمام لحظة حاسمة، إذ لم يعد من الممكن تأجيل النقاش حول إصلاح التقاعد، خاصة في ظل ضغوط مالية وديمغرافية تضع المنظومة برمتها على المحك.
المشاورات الأخيرة التي قادتها وزارة الاقتصاد والمالية مع النقابات الأكثر تمثيلية شكلت تمهيدًا لهذا اللقاء المرتقب، وذلك في إطار تفعيل ما اتُفق عليه خلال اجتماع اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد في يوليوز الماضي.
وأوضحت مصادر نقابية للجريدة 24، أن جدول أعمال اللقاء يتضمن مقاربة شاملة لأسباب الاختلالات البنيوية التي تعاني منها الصناديق، مع بحث المنهجية التي يفترض أن تُعتمد لمعالجة هذه الأزمة المزمنة.
لكن هذا المسار لا يخلو من توتر، إذ أعلنت بعض النقابات، وعلى رأسها الاتحاد المغربي للشغل، رفضها المبدئي للتركيز على الحلول التقنية بمعزل عن الملفات الاجتماعية العالقة.
وطالبت بإدراج مسألة الزيادة في معاشات المتقاعدين الحاليين، المجمدة منذ أكثر من عقدين، ضمن أولويات النقاش، معتبرة أن أي إصلاح يُطرح دون معالجة هذا الجانب لن يحظى بالقبول. كما شددت على أن مسؤولية الدولة أساسية في ما آلت إليه الصناديق، وأن تحميل الأجراء كلفة الإصلاح يُشكل خيارًا غير عادل.
في المقابل، تؤكد الحكومة أن النقاش مفتوح وأن الإصلاح لن يُفرض بشكل أحادي، بل سيتم عبر مشاورات موسعة تستحضر التوجيهات الملكية الداعية إلى إرساء نظام تقاعدي عادل ومنصف يعزز التضامن بين الأجيال ويضمن حماية اجتماعية شاملة.
وسبق أن اوضحت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، أن الحكومة تراهن على صياغة بدائل عملية قابلة للتنفيذ تراعي الواقع المالي والانتظارات الاجتماعية.
المقترحات المتداولة إلى حدود الساعة تثير جدلاً واسعًا، إذ تتراوح بين رفع سن الإحالة على التقاعد إلى 65 عامًا، والزيادة في نسب الاقتطاع من الأجور، وتقليص المعاشات المستقبلية.
وهي سيناريوهات ترى فيها النقابات تحميلًا مباشرًا للشغيلة أعباء إضافية، بينما يعتبرها بعض الخبراء خيارات لا مفر منها إذا أراد المغرب تجنب انهيار صناديق التقاعد. وبين هذا وذاك، يبقى التوافق السياسي والاجتماعي هو العنصر الحاسم في بلورة أي حل.
النقابات تدعو من جهتها إلى مراجعة جذرية للمنظومة، انطلاقًا من إصلاح الحكامة داخل الصناديق والحد من تعددية الأنظمة التي تخلق اختلالات عميقة في التوازنات.
كما تطالب بإنشاء لجنة تقنية مستقلة تضم خبراء محايدين إلى جانب ممثلين عن الدولة والأجراء وأرباب العمل، تكون مهمتها صياغة حلول تستند إلى معطيات دقيقة ودراسات معمقة، بدل الانزلاق إلى قرارات استعجالية قد تُضاعف الأزمة على المدى الطويل.
ويتجاوز الرهان اليوم البعد المالي، إذ يعتبر المراقبون أن نجاح إصلاح التقاعد سيكون بمثابة اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على بناء تعاقد اجتماعي جديد يُعيد الثقة بين الدولة والمواطنين.