الأعلاف تشتعل والدعم غامض.. جدل حول تضارب أرقام القطيع الوطني
يعيش مربو الماشية في المغرب واحدة من أصعب المراحل في تاريخهم الحديث، بعد أن طال انتظارهم للدعم الحكومي الموعود دون أن يتضح لهم إلى اليوم موعد صرفه.
ومع توالي شهور الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف، يسجل الكسابة ما يصفونه بـ"صيف قاسٍ"، زادت حدته مع تراكم الديون التي خلفها إلغاء عيد الأضحى السابق الذي لم يتم فيه نحر الأضاحي.
هذا الوضع جعل فئة واسعة من الفلاحين الصغار في مواجهة مباشرة مع ضغوط مالية خانقة، وسط مخاوف من فقدان القطيع أو اضطرار بعضهم إلى التخلي عن مهنتهم.
وفي خضم هذا السياق، فجّرت النقابة الوطنية للفلاحين التابعة للاتحاد المغربي للشغل جدلاً جديداً، بعدما عبّرت عن استغرابها مما اعتبرته "تضارباً في الأرقام الرسمية" التي أعلنتها وزارة الفلاحة بخصوص الإحصاء الوطني للقطيع.
وأكدت النقابة، في بيان صدر عقب اجتماع مكتبها الوطني مطلع شتنبر الجاري، أن المعطيات الأخيرة لا تنسجم مع الأرقام المعلنة في دجنبر 2024، معتبرة أن غياب إحصائيات دقيقة وشفافة يُفقد برامج إعادة تشكيل القطيع مصداقيتها.
وأوضحت النقابة أن نتائج الإحصاء الرسمي تبيّن أن عدد إناث الأغنام والماعز القابلة للتوالد خلال الموسم المقبل يفوق بكثير الأهداف التي وضعتها الوزارة، وهو ما يستدعي، في تقديرها، زيادة عاجلة في الغلاف المالي المخصص للدعم المباشر، خاصة للفلاحين الصغار الذين يشكلون العمود الفقري للقطاع.
كما نبهت إلى أن عملية الإحصاء لم تشمل المربين الذين فقدوا قطعانهم بسبب سنوات الجفاف المتتالية، ما يعني حرمانهم من الاستفادة من برامج الدعم، رغم ما راكموه من خبرة ميدانية تعد رصيداً وطنياً لا يقدّر بثمن.
البيان توقف كذلك عند ما وصفه بـ"الاستقرار الغريب" في أعداد الإبل منذ سنوات، مقابل "تراجع مقلق" في أعداد الأبقار، داعياً إلى تقييم صريح للبرامج السابقة التي كلفت خزينة الدولة عشرات المليارات منذ 2008، دون أن تُحقق النتائج المأمولة.
وحمّل المكتب النقابي مسؤولية هذا الإخفاق للجهات التي استفادت من الدعم العمومي دون أن تنعكس تلك الأموال على تطوير القطيع الوطني.
وبخصوص برنامج إعادة تشكيل القطيع، حذرت النقابة من أن تأجيل صرف الدعم المباشر إلى غاية يونيو 2026 "خطأ فادح" قد يؤدي إلى فشل التجربة برمتها، في ظل العجز المالي الحاد الذي يعانيه المربون.
كما طالبت بفرض مراقبة صارمة على عملية توزيع الأعلاف لتفادي أي استغلال انتخابي محتمل، مع ضرورة ضمان مطابقة الأعلاف المركبة للمعايير الدولية وتقديم تركيبتها المفصلة للكسابة.
ولإنجاح البرنامج، شددت النقابة على ضرورة معالجة الخصاص الكبير في عدد الأطباء والتقنيين البيطريين والمرشدين الفلاحيين، معتبرة أن أي إصلاح جدي يتطلب مواكبة ميدانية حقيقية، وليس مجرد إجراءات مكتبية.
وأكدت أن الفلاحين الصغار، الذين يسهرون على تربية ما يقارب 95 في المائة من القطيع الوطني، يجب أن يكونوا المستفيد الأول من الدعم، لضمان استمرارية النشاط الفلاحي وحماية الأمن الغذائي للمغاربة.
من جهته، سبق لوزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، في ندوة صحفية أن كشف عن ولادات جديدة تناهز 9 ملايين و400 ألف رأس بين دجنبر 2024 ومارس 2025، بينها 6 ملايين و400 ألف رأس لا يتجاوز عمرها ستة أشهر.
وأبرز الوزير أن النواة المنتجة للإناث بلغت 14 مليون رأس، مشيراً إلى أن قرار عدم الذبح خلال العيد الماضي ساهم في الحفاظ على 3 ملايين رأس من الإناث و3.5 ملايين رأس من الذكور، ما مكّن من تعزيز العرض الوطني من اللحوم الحمراء.
غير أن هذه الأرقام لم تُقنع النقابات ولا عدداً من المهنيين، الذين يعتبرون أن الحكومة تراهن على إحصاءات كمية في حين أن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب رؤية اجتماعية تحمي صغار المربين من الإفلاس.
وبين خطاب رسمي يركز على المكاسب الرقمية، وصوت معارض يحذر من انهيار أوضاع الكسابة، تبقى المخاوف قائمة من أن يطول الانتظار أكثر، ليجد الفلاحون أنفسهم في مواجهة قاسية مع موسم فلاحي لا يرحم.