هل يضع الجواهري حكومة أخنوش تحت ضغط إصلاح التقاعد؟
عاد ملف إصلاح أنظمة التقاعد إلى صدارة النقاش العمومي بالمغرب في مرحلة سياسية تتزامن مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، بعدما حمل التقرير السنوي لبنك المغرب برسم سنة 2025 رسائل واضحة بشأن المخاطر التي تتهدد استدامة المالية العمومية في حال استمرار تأجيل هذا الورش.
وأعاد والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، فتح أحد أكثر الملفات حساسية، مؤكدا أن الإصلاح لم يعد خيارا قابلا للتأجيل، بل أصبح ضرورة تفرضها المؤشرات المالية والديمغرافية، وهو ما وضع حكومة عزيز أخنوش أمام موجة جديدة من الانتقادات المرتبطة ببطء الحسم في هذا الملف الذي ظل لسنوات ضمن أولويات الأجندة الحكومية دون أن يعرف مخرجات تنفيذية نهائية.
وجاءت هذه الرسائل خلال تقديم الجواهري التقرير السنوي للبنك المركزي أمام الملك محمد السادس بالقصر الملكي بمدينة تطوان، حيث استعرض تطور المؤشرات الاقتصادية والمالية للمملكة خلال سنة 2025، مبرزا أن الاقتصاد الوطني تمكن من تحقيق معدل نمو بلغ 4.9 في المائة، مع تراجع معدل التضخم إلى 0.8 في المائة، وهي معطيات تعكس تحسن عدد من المؤشرات الماكرو-اقتصادية.
غير أن والي بنك المغرب شدد في المقابل على أن هذه النتائج لا ينبغي أن تحجب التحديات البنيوية التي ما تزال تثقل كاهل المالية العمومية، وفي مقدمتها استمرار تأجيل إصلاح أنظمة التقاعد.
وأكد الجواهري أن الحفاظ على توازنات الميزانية يقتضي تسريع الإصلاحات الهيكلية، معتبرا أن النفقات العمومية أصبحت تواجه ضغوطا متزايدة بفعل الالتزامات الاجتماعية والمالية، وهو ما يفرض مراجعة مستمرة لأولويات الإنفاق ورفع نجاعته.
ويبرز ملف التقاعد، باعتباره الحلقة الأكثر تعقيدا ضمن الإصلاحات المؤجلة، في ظل المؤشرات التي تنبه منذ سنوات إلى الوضعية المالية المقلقة لبعض الصناديق، وعلى رأسها الصندوق المغربي للتقاعد، الذي يواجه تحديات مرتبطة بتنامي العجز الهيكلي وتراجع احتياطياته المالية، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن قدرته على الوفاء بالتزاماته مستقبلا إذا استمر تأجيل الإصلاح.
وخلال السنوات الأخيرة، ظل ملف التقاعد حاضرا بقوة في جولات الحوار الاجتماعي التي جمعت الحكومة بالمركزيات النقابية، غير أن الخلافات المرتبطة بطبيعة الإصلاح والخيارات المطروحة حالت دون التوصل إلى توافق نهائي.
وتتمثل أبرز النقاط الخلافية في إمكانية رفع سن الإحالة على التقاعد، ومراجعة نسب الاشتراكات، وإعادة النظر في طريقة احتساب المعاشات، وهي إجراءات تعتبرها النقابات ذات كلفة اجتماعية مرتفعة، بينما ترى مؤسسات مالية وخبراء اقتصاديون أنها أصبحت ضرورية لضمان استدامة الأنظمة.
ويتزامن تجدد هذا النقاش مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات بشأن مدى استعداد الحكومة الحالية لاتخاذ قرارات إصلاحية، خلال الأشهر الأخيرة من ولايتها، أو الاكتفاء باستكمال المشاورات وترحيل الحسم النهائي إلى الحكومة المقبلة التي ستنبثق عن نتائج الاستحقاقات المقبلة.
وفي هذا السياق، شهدت جلسات الحوار الاجتماعي الأخيرة، التي ترأستها وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي بحضور ممثلي المركزيات النقابية، عرض حصيلة عمل اللجنة التقنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد، حيث تمت مناقشة مختلف السيناريوهات الممكنة، إلى جانب الملاحظات التي قدمتها النقابات بشأن التصورات المطروحة، في إطار الإعداد لتقرير شامل يتضمن خلاصات الأشغال المنجزة تمهيدا لعرضه على اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد برئاسة رئيس الحكومة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن التقرير النهائي للجنة التقنية يرتقب أن يكون جاهزا خلال الأسابيع المقبلة، غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن ضيق الزمن السياسي وصعوبة التوصل إلى توافق بين مختلف الأطراف قد يؤجلان اتخاذ القرار النهائي إلى ما بعد تشكيل الحكومة الجديدة، وهو ما يعزز فرضية استمرار هذا الورش ضمن أولويات المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، تتواصل الانتقادات الصادرة عن عدد من الفاعلين السياسيين والنقابيين الذين يعتبرون أن تأخير الإصلاح أدى إلى ارتفاع كلفته وتعقيد خياراته، مؤكدين أن كل سنة إضافية من الانتظار تزيد من حجم الاختلالات المالية التي تعانيها الصناديق، وتقلص هامش المناورة أمام أي إصلاح مستقبلي.
وكان الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، قد دعا في أكثر من مناسبة إلى الإسراع بإيجاد توافق وطني حول إصلاح أنظمة التقاعد، معتبرا أن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تتم بمنطق التدبير الظرفي، وإنما وفق رؤية تضمن استدامة الصناديق وتحافظ في الوقت نفسه على الحقوق الاجتماعية للمتقاعدين والأجراء، مع تحسين أوضاع أصحاب المعاشات المحدودة وتعزيز الحماية الاجتماعية لفائدتهم.
من جهتها، تواصل المركزيات النقابية التشديد على ضرورة أن يأخذ أي إصلاح مرتقب بعين الاعتبار الأوضاع الاجتماعية لفئات واسعة من المتقاعدين، محذرة من الاقتصار على المقاربة المالية دون مراعاة انعكاسات القرارات على القدرة الشرائية وظروف العيش، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والخدمات الصحية.
كما رفعت المنظمة الديمقراطية للشغل من مستوى انتقاداتها للحكومة، معتبرة أن التأخر في الحسم في هذا الورش ساهم في تعميق معاناة عدد كبير من المتقاعدين. وأشارت المنظمة إلى أن فئة واسعة من المتقاعدين المدنيين والعسكريين تتقاضى معاشات تتراوح بين 1000 و2000 درهم، وهي مستويات تعتبرها غير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار.
وأضافت المنظمة أن نحو 2.5 مليون شخص مسن في المغرب يوجدون خارج أي نظام للتقاعد، فيما يعتمد حوالي 70 في المائة منهم على التضامن العائلي باعتباره المصدر الرئيسي للدخل، داعية إلى إصلاح متكامل يشمل الرفع من الحد الأدنى للمعاشات، وربطها بمستويات التضخم، وتحسين التغطية الصحية، مع إشراك ممثلي المتقاعدين في مختلف مراحل إعداد الإصلاح.
ومع اقتراب العد العكسي لانتهاء الولاية الحكومية، يزداد الضغط على حكومة عزيز أخنوش لحسم واحد من أكثر الملفات الاجتماعية والمالية تعقيدا، في وقت تتقاطع فيه التحذيرات الصادرة عن المؤسسات الرسمية مع مطالب النقابات والهيئات المهنية بضرورة الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة اتخاذ القرار.