من الحملات التقليدية إلى الذكاء الاصطناعي.. نزاهة انتخابات 2026 أمام اختبار الثقة

الكاتب : انس شريد

16 September 2025 - 09:30
الخط :

تعيش الساحة السياسية المغربية على إيقاع استعدادات مبكرة للانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها سنة 2026، حيث شرعت الأحزاب في تقديم مذكراتها الإصلاحية إلى وزارة الداخلية، متضمنة مقترحات دقيقة حول الرقابة الرقمية، وضبط الحملات الانتخابية في زمن الذكاء الاصطناعي، وتكريس مبادئ العدالة والشفافية في الفضاء الافتراضي.

وتعكس هذه الدينامية إدراكاً متزايداً بأن المعركة الانتخابية المقبلة لن تكون فقط في الميدان التقليدي، بل ستمتد بقوة إلى العالم الرقمي، حيث يتشكل الرأي العام وتُبنى المواقف السياسية.

وشدد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، اليوم الثلاثاء، في مذكرته الانتخابية على ضرورة سن قانون إطار وطني يحدد ضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي في السياسة، ويجبر المرشحين على التصريح العلني بالأدوات الرقمية التي يعتمدونها في الحملات.

واقترح الحزب إحداث هيئة وطنية مستقلة للرقابة الرقمية تشرف على تتبع الخروقات، مع إشراك اللجنة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية في حماية الحياة الخاصة للناخبين.

كما طالب بإطلاق منصة وطنية للتمويل الرقمي تتيح مراقبة تدفق الأموال الموجهة للدعاية، بما يمنع الإشهار السياسي المموّل في الخفاء، مؤكداً أن الخطر الأكبر يتمثل في استغلال البيانات الشخصية دون علم أصحابها لتوجيه اختياراتهم، أو اعتماد الحسابات الوهمية والروبوتات المؤثرة للتأثير على المزاج الانتخابي.

المذكرة ذاتها لفتت الانتباه إلى أن كلفة التكنولوجيا المتقدمة قد تزيد من الفوارق بين الأحزاب، داعية الدولة إلى تمويل أدوات مفتوحة المصدر لفائدة جميع التنظيمات، وتوفير دورات تكوينية متكافئة، مع فتح بوابة رسمية للحملات الرقمية تتيح التفاعل العادل مع الناخبين.

كما أولت اهتماماً خاصاً بالنساء والشباب والأشخاص في وضعية إعاقة عبر تخصيص برامج رقمية داعمة، وتطوير أنظمة قادرة على رصد العنف الرقمي الموجّه ضد المترشحات.

وذهب الحزب الاشتراكي الموحد في الاتجاه نفسه، لكنه ركز على ضبط النفقات، مقترحاً تحديد سقف للإعلانات الرقمية في حدود 500 ألف درهم لكل حزب و50 ألف درهم لكل وكيل لائحة، مع منع التعاقد مع المؤثرين مقابل المال، وإلزامية الكشف عن الجهة الممولة وراء أي محتوى ممول.

كما دعا إلى إحداث سجل وطني مفتوح خاص بالإعلانات الرقمية، وربط التعاون مع المنصات العالمية بحذف الأخبار المضللة وخطابات الكراهية.

من جهته، قدم حزب التقدم والاشتراكية مذكرة موسعة تضمنت 72 إجراء موزعة على ثمانية محاور، أبرزها إحداث هيئة وطنية للمتابعة بتمثيليات إقليمية تحت إشراف قضائي، واعتماد التوقيع الإلكتروني والبصمة في عمليات التصويت والفرز، مع الاحتفاظ بالأوراق المتنازع عليها إلى حين البت في الطعون.

وأوضح الأمين العام للحزب محمد نبيل بنعبد الله مؤخرا أن إدماج التكنولوجيا في العملية الانتخابية قد يسهم في تقريب البرامج من الناخبين، لكنه قد يتحول في غياب الضوابط إلى أداة لتزييف الخطاب وتزوير الصورة، داعياً إلى تجريم الاستعمال غير المشروع للذكاء الاصطناعي وفرض عقوبات زجرية لحماية نزاهة العملية الانتخابية.

كما أبرزت مذكرات أحزاب أخرى مثل الحركة الشعبية والحزب الخضر المغربي أهمية إدماج التصويت الإلكتروني بشكل تدريجي، وتمكين الجالية المغربية من المشاركة عبر المنصات الرقمية، إلى جانب اعتماد التسجيل الإلكتروني وإدخال البصمة للتحقق من هوية الناخبين.

واعتبرت أن هذه الخطوات ضرورية لرفع نسبة المشاركة الشعبية وتجاوز مظاهر العزوف التي طبعت محطات سابقة.

فيما شدد الحزب الاشتراكي الموحد على ضرورة إحداث منصة وطنية شاملة خاصة بالانتخابات، تتيح إيداع الترشيحات ومتابعة الملفات بشكل آني، بما يكرس الشفافية ويقلص من الإجراءات البيروقراطية.

هذا التوجه الجماعي نحو الرقمنة يعكس وعياً متزايداً بأن نزاهة الانتخابات لم تعد رهينة بمحاربة أساليب تقليدية مثل شراء الأصوات أو استغلال النفوذ، بل باتت مرتبطة أيضاً بمراقبة المحتوى الرقمي وضبط آليات الذكاء الاصطناعي.

فالتحدي في 2026 سيكون مزدوجاً: مواجهة المال السياسي من جهة، والتصدي للتلاعب الرقمي من جهة ثانية، في وقت يتنامى فيه خطر الأخبار الزائفة والمحتويات المفبركة التي قد تمس بالثقة في المؤسسات وتضرب جوهر الاختيار الديمقراطي.

وبينما تتعدد الرؤى والتصورات، تتقاطع مذكرات الأحزاب في الدعوة إلى إصلاح شامل للمنظومة الانتخابية، وإرساء قواعد جديدة تضمن منافسة شريفة، وتعزيز ثقة المواطنين في العملية الديمقراطية.

ويبقى نجاح هذه المقترحات رهيناً بقدرة الدولة على توفير البنية الرقمية الآمنة، وإقرار تشريعات واضحة وملزمة، وضمان إشراك كل الفاعلين في صياغة الضوابط.

لذلك تبدو انتخابات 2026 محطة فاصلة في المسار الديمقراطي المغربي، ليس فقط من حيث نتائجها السياسية، ولكن أيضاً باعتبارها اختباراً لمدى قدرة البلاد على إدماج التكنولوجيا الحديثة في خدمة نزاهة العملية الانتخابية وتعميق المشاركة الشعبية.

آخر الأخبار